آيات المشيئة.. قفصٌ من خيوط

الأحد, November 7, 2010
كاتب المقالة: 

     نعم إنّها آيات المشيئة.. الآيات التي مازالت تثير النقاش والجدال الطويل في إيجاد تفسير منطقي لها، تفسير يريح العقل من تساؤلات لا تنتهي.. تنشأ (التساؤلات) من أحقيّة امتلاكنا للمشيئة الإنسانية من كوننا خلفاء الله عز وجل في الأرض وكوننا سنحاسب على اختيارنا، ولا تنتهي أو تقف عند إيمان قلبي فقط بمشيئة إلهية تعطي الرخصة بحدوث مشيئة إنسانية.


لنستمع إليها.. بسم الله الرحمن الرحيم: (( إنّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتّخَذّ إلى رَبّهِ سَبِيلاً * ومَا تَشَآءُونَ إلاّ أَن يَشَآءَ اللهُ إنّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيمَاً * يُدخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ والظّالِمِين أعَدّ لهُمْ عّذابَاً ألِيمَاً * )) الإنسان، 28-31

المعنى السطحي للآية، التي ألصقناه نحن بها، تقول أنّ المشيئة الإلهية ستسبق لتسمح بحدوث مشيئة إنسانية.. لكن كيف لنا أن نفهم من خلال هذه النظرة معنى الحساب والعقاب في يوم القيامة!؟.. كيف سيثيبنا الله تعالى على أفعالنا التي حدثت بفعل مشيئتنا التي لم نشأها من أنفسنا بل نشأت لأنّ الله تعالى أراد بذلك؟  ومادام الله تعالى أراد بذلك فعلى ماذا سيجزينا؟ هل على تطبيقنا لمشيئته؟ وهل إذا أراد الله تعالى شيئاً فهناك احتمال لعدم حدوثه!؟.. وما هو دور الخليفة في هذه الحالة؟

وهل نستطيع أن لا نفكر بالآثار السلبية التي من الممكن أن تتراكم في نفس الإنسان المسلم من جرّاء هذا الفهم التي ستجبره حتماً على التواكل.. على رمي معظم أموره على الله عز وجل.. مادامت مشيئته جلّ وعلا هي من ستوّلد مشيئة هذا الفرد.. وبالتالي سينتظر هذا الفرد وغيره نزول المشيئة الإلهية لتغيير وضعه كله من أصغر الأمور لأكبرها..

أليس هذا ما يحصل الآن!.. أليس هذا ما يبرر من زاوية ما تقاعسنا وسلبيتنا.. أليس هذا ما يبرر جزءاً من واقعنا!..

 

فالتناقض الظاهري لا يخفى أبداً في هذه الآيات.. وأية محاولة لتبرير الأمر كأن نقول: "جميع ما يصدر عن العبد فبمشيئة الله ولكن دون إجبار" أو "إنّ الله تعالى مشيئته هي مشيئة علم وليست اختيار" ! هي محاولة فاشلة حتماً وبكل المقاييس.. فهناك فرق ضخم وواضح بين كلمتي المشيئة والعلم.. فرق كبير بين أنّ الله تعالى يعلم مسبقاً من باب العلم كل ما سيفعله الإنسان، وبين أنّ الله تعالى يشاء مسبقاً كل ما سيفعله الإنسان.. فالله سبحانه وتعالى يعلم مسبقاً تصرفات العباد، لكن هذا لا يعني أبداً أنّه شاء لهذه التصرفات.. أنّه يريد هذه التصرفات.
فمشيئة الله تعالى لا تعني إطلاقاً علم الله ولا يمكن تفسيرها على أنها كذلك، وكل منهما يحمل معناه الخاص والمختلف تماماً..
الشيء المذكور في الآية هي المشيئة وليس العلم ومن إحدى شروط صحّة الإيمان بالله عز وجل هي أنّه جل وعلا عندما يشاء فإنّ مشيئته ستحدث حتماً.. لا مكان لاحتمال آخر.. فهل يعقل أن يشاء الله تعالى الهداية لشخص ولا يهتدي.. هل يعقل أن يشاء الله تعالى الخير لعبد ولا يأتي.. هل يعقل أن يشاء الله تعالى العذاب والهلاك لأمّة ظلمت وتنجو بشطارتها من العذاب!.. فكيف بنا نقتنع أن أفعالنا ناتجة عن مشيئة إلهية بدون جبر!

لذلك أية محاولة في التبرير أو التوفيق في المعنى سيزيد من السوء سوءاً.. لأنّ الآيات بالأصل لا تتحدث عن هذا، وجوهرها يأخذنا إلى أفق أوسع من دائرة مغلقة.

 

الآيات تتحدث عن شيء آخر.. سيأتي عندما نغيّر طريقة قراءتنا للآية..

فهناك ثلاث آيات في القرآن تتحدث عن مشيئة إلهية تسبق أي مشيئة إنسانية كما نتصوّر.. إحداها ذُكرت في الأعلى والاثنتين الباقيتين هما: (( كلاّ بَلْ يَخَافُونَ الأَخِرَةَ * كلاّ إنّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذكُرُونَ إلاّ أَن يَشَآءَ اللهُ هُوَ أهْلُ التّقْوَى وأهْلُ المَغْفِرةِ * )) المدّثر، 53-56

(( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رّجِيمٍ * فأيْنَ تَذْهَبُونَ * إنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ للعَالِمينَ * لِمَن شَآءَ مِنْكُم أن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تشَآءُونَ إلا أن يَشَآءَ اللهُ ربُّ العَالِمينَ * )) التكوير، 25-29

 

فالآيات في سورة الإنسان جاءت كالتالي: (إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما).. الفهم السائد للآية سيربط وسيرجع (وما تشاءون) إلى (فمن شاء) ليصير هناك فئة واحدة فقط (البشر أجمع).. فمن شاء أي أحد من البشر أن يتخذ إلى ربه سبيلا لن يشاء إلا أن يشاء الله.. وبالتالي تتحول الآية لتصير قانون عام سيحكم مشيئة البشر جميعاً..
لكن لو صحّت هذه الفرضيّة لكان من الأنسب والأفضل والأبلغ للمعنى أن تأتي الآيتين على الشكل التالي: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (وما يشاء إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما)..

فاختلاف الصيغة كما جاءت في القرآن يدل حتماً على شيء.. هذا أولاً.


الشيء الثاني المهم هو أين الظالمين في الآية؟  فالآية التي تليهم مباشرة (يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما) تقسّم الناس صراحة إلى فئتين، فالآية تتكلم عن فئتين.. وكلمة "الظالمين" دخلت على الآية دخول المعرّف، وهذا يعني حتماً أنّها مذكورة قبلها في مكانٍ ما!.. ومن هذا المفتاح سنعيد قراءة آية المشيئة..

فهناك تذكرة.. للجميع.. وسيتوجّب معها الاختيار.. وسيبدأ البشر بالانقسام نتيجة الاختيار.. فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا.. وهذا يعرّف الفئة الأولى. الفئة الثانية بالحقيقة لا تحتاج لتعريف صريح بعد تعريف الفئة الأولى.. فهناك دوما فئة ثانية عند كل اختيار، فئة تكون على تضاد مع الفئة الأولى، فئة شاءت أن تضل وتكفر بالله تعالى بالرغم من وجود التذكرة.. وما دام قد جاء في الآية (فمن شاء) هذا يعني أنّه ليس الكل سيشاء، وبالطبع هناك الباقي الذين لم يشاءوا.. وتأتي بعد هذا مباشرة الآية (وما تشاءون إلا أن يشاء الله).. وبالتالي هناك احتمال بأن تكون عائدة هذه الآية إلى الفئة الثانية بدلاً من الفئة الأولى، وكأنها تقول "وما تشاءون الإيمان أيّها الظالمين من الآن فصاعداً إلا أن يشاء الله إن الله عليماً حكيماً".. وكأنّه جل وعلا يسحب ميزة اختيار الهداية من الظالمين بعد كفرهم وضلالهم المتعمّد.. ويبقى هو العليم الحكيم، الذي يرى دائماً مَن مِن هؤلاء الظالمين في نيتهم حقاً الرجوع والتوبة.
(يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً) فالله تعالى سيدخل (من شاء أن يتخذ إليه سبيلا) في رحمته، أمّا الفئة الثانية فلهم عذاب أليم.. إنّها تتجسد في حرية كاملة للاختيار ونتائج كل خيار..

لكن مهلاً، عن أي فئة من الظالمين نتحدث؟  هل كل الظالمين سيسحب منهم ميزة الاختيار؟  وكيف سيكون في نية بعض من هؤلاء الظالمين أن يتوب ويرجع إذا كان ذلك متوقف كلياً على مشيئة الله؟  فعلى سبيل المثال، سيدنا عمر بن الخطاب كان في فترة من حياته من الظالمين لكنه اهتدى بعد ذلك وآمن؟ كيف نستطيع أن نفسر ذلك؟  هل إيمانه كان بمشيئة إلهية؟ وبالتالي لا خيار لسيدنا عمر.. وبالتالي لا ثواب ولا حسنات لإيمانه؟!

الظالمين من خلال القرآن هم الفئة التي يأتيها العلم والحقيقة وتدرك هي ذلك لكنها تنكره وتكفر به جحداً وعنداً..
(ولَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنّكَ إذاً لمِنَ الظّالِمينَ) البقرة، 145  (ولكِنَّ الظّالِمينَ بآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُون) الأنعام، 33  (وأغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمينَ) الأنفال، 54  
وهذا السلوك يكون على الأغلب مرافق لمسيرة حياتهم.. يتعاملون بنفس الطريقة مع كل آية، مع كل تذكرة، مع كل دليل على وجود الله سبحانه وتعالى.. كما مبيّن من خلال الكلمات (أهواءهم) و (آيات الله) و (آل فرعون).
الظالمين - لنكون أكثر دقّة - هم أسوأ وأسفل فئة من الضلال.. وصلوا بأعمالهم وجحدهم لمرحلة الاستحقاق.. استحقاق العذاب وإغلاق باب الإيمان منهم.. تماماً مثل استحقاق الصحابة العشرة بأن يبشروا بالجنّة بسبب أعمالهم الإيجابية الفذّة.. الأمر يكاد يكون متناظر.


لكن كيف لا يشاءون الظالمين الإيمان إلا أن يشاء الله؟!
جميع السياقات الثلاثة لآيات المشيئة الإلهية (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) كانت ترتبط بتذكرة.. ومنها كان ينتج اختيار وفئتين.. فالأمر كله ابتداء من التذكرة.. وحدث أنّ فئة شاءت أن تتخذ إلى ربها سبيلا انطلاقاً من هذه التذكرة. وفئة ثانية لم تشاء ذلك. وبالتالي نستطيع أن نفهم أنّ الظالمين حتّى يتخذوا إلى ربّهم سبيلاً في المستقبل، سيحتاجون حتماً إلى تذكرة جديدة لتفيقهم من غفلتهم هذه.. وهذه التذكرة ببساطة لن تأتي إلا بمشيئة الله تعالى.
التذكرة ليس المقصود بها التذكرة في الدماغ، أي أن نتذكر الله ونخشاه فجأةً من بعد كفرنا.. بل التذكرة هي تلك الآية، الرسالة الربّانية التي ستدلنا إلى الله لو تفاعلنا معها.. قد تكون موجودة بالفعل مثل آيات الطبيعة التي تدل على خالق بارع وبارئ واحد. أو قد تكون التفكّر بالآخرة، بعد معرفتنا ويقيننا بأن الموت هو سنّة من سنن هذه الحياة. أو قد تكون رسالة ربانية تأتي إلى الأرض، وقد تأخذ شكل الرسول أو النبي، أو قد لا تأخذ بالضرورة أشكال البشر.. فقد تكون عبارة عن موت مفاجئ لأحد الأقارب والأصدقاء، أو ربما تكون خسارة مفاجئة لشيء كان محسوباً جيداً ليربح، أو كارثة طبيعية، أو.. أو.. أو.. الآيات فعلاً لا تنتهي.

فمشيئة الله سبحانه وتعالى حتى على الظالمين ليست مشيئة جبرية في جعلهم مؤمنين.. بل مشيئة إلهية في إرسال المزيد من الآيات إليهم، المزيد من الإشارات التنبيهيّة، المزيد من دق الجرس، المزيد من الهز ليصحوا..

وهذا ما حدث مع سيدنا عمر بن الخطاب وما يحدث فعلاً مع الجميع.. الإشارات والتنبيه يأتياننا دوماً وتباعاً، والدنيا حقاً مليئة بها، لكن العبرة تبقى في ردود أفعالنا.. وعمر بالنهاية تفاعل مع إحدى الإشارات ليتحول بها إلى سيدنا عمر بن الخطّاب.. فالإشارات الربّانية لا تتوقف أبداً إلا على قوم قد استفحل الشر فيهم، إلا على قوم لا ولن يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم..
وهكذا وجّه الله عزّ وجل خطابه إلى الفئة التي تجحد بآياته (وما تشاءون الإيمان من بعد جحدكم وكفركم لهذه التذكرة إلا أن أشاء أن أبعث إليكم تذكرة جديدة، فرصة جديدة.. أو أترككم في طغيانكم تعمهون)



لنسمعها مجدداً.. (( إنّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتّخَذّ إلى رَبّهِ سَبِيلاً * ومَا تَشَآءُونَ إلاّ أَن يَشَآءَ اللهُ إنّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيمَاً * يُدخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ والظّالِمِين أعَدّ لهُمْ عّذابَاً ألِيمَاً * )) الإنسان، 28-31
وكأنّ الآية تقول: إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا.. والذي لم يشاء.. لن يشاء إلا أن يشاء الله إرسال تذكرة جديدة، إن الله كان عليما حكيما.. يدخل من شاء أن يتخذ إليه سبيلا في رحمته والظالمين الذين لم يشاءوا لهم عذاب أليم..


لكن بعد كل ذلك يبقى هناك غصّة.. فلو صحّت هذه النظرية والتي تقول أنّ جملة (وما تشاءون) ذات الضمير "أنتم" عائدة على الظالمين، فلماذا لم تأتي بصياغة الضمير "هم" (وما يشاءون)؟  فالصياغة الحالية ذات الضمير "أنتم" (وما تشاءون) ترسخ جداً معنى أن تكون عائدة على (نحن جميعاً)!؟

الآيات في سورة المدّثر والتكوير سيقدمان لنا الجواب..

فالآية في سورة المدثر جاءت: (فمن شاء ذكره) (وما يذكرون إلا أن يشاء الله)
وفي آية التكوير جاءت: (لمن شاء منكم أن يستقيم) (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)
الاختلاف في استعمال الضمير بين "هم" (يذكرون) وبين "أنتم" (تشاءون) في السورتين سيوصلاننا حتماً إلى مفتاح..

ففي سورة المدثر تتحدث أغلب السورة عن أصحاب النار.. في هذه السورة يخاطب الله تعالى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويصف له أصحاب النار باستخدامه جلّ وعلا لوصفهم الضمير "هو" لمفردهم و"هم" لوصفهم بالعموم..
(كلا إنّه كان لآياتنا عنيدا) (سأصليه سقر) (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) (فمالهم عن التذكرة معرضين) (كأنهم حُمرٌ مستنفرة) (بل يريد كلُّ امرئ منهم أن يؤتى صُحفاً منشّرة) (كلا بل لا يخافون الآخرة) (كلا إنّه تذكرة) (فمن شاء ذكره) (وما يذكرون إلا أن يشاء الله)..
إذن، (وما يذكرون) - حسب الضمير - عائدة إلى الكفار، أصحاب النار.


أمّا في سورة التكوير فالأمر مختلف قليلاً..
السورة تتحدث عن علامات يوم القيامة وفيها يخاطب الله تعالى الفئة الكافرة..
(إذا الشمس كوّرت) (وإذا النجوم انكدرت) (وإذا الجبال سُيّرت) (وإذا الوحوش حُشرت) (إنّه لقول رسول كريم) (وما صاحبكم بمجنون) (وما هو على الغيب بضنين) (وما هو بقول شيطان رجيم) (فأين تذهبون) (إن هو إلا ذكر للعالمين) (لمن شاء منكم أن يستقيم) (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)..
فـ (وما تشاءون) هنا ليست عائدة على (لمن شاء منكم أن يستقيم)، ولا حتى على الفئة الثانية التي لم تشأ أن تستقيم..! لاختلاف بسيط في تركيب الآية.. فالآية (لمن شاء منكم أن يستقيم) لم تأتي (فمن شاء منكم أن يستقيم) كما حدث في سورتي الإنسان والمدّثر..

وكما نعلم بين اللام والفاء فرق كبير.. على الأقل عندما نتكلم عن القرآن..

سورة التكوير سورة مكيّة.. نزلت في مكة ولم يكن الإسلام قد تجاوز حدود مكّة بعد.. نزلت لتخاطب الكفار، أو لنكن أكثر تحديداً، نزلت لتجيب على خمسة إدعاءات كاذبة وباطلة للكفار في ذلك الوقت.. حيث كانت الإدعاءات تتمحور حول كفاءة ونزاهة جبريل في نقل القرآن للرسول. وجنون الرسول وبالتالي القرآن قول من هذا الجنون. وإدعائهم بأنّهم سيؤمنون لاحقاً إن شاءوا وليس الآن. واتهام الرسول بالتقصير في إيصال الرسالة وتوضيحها كما يجب. وأنّ القرآن قول شيطان.
وهكذا، جاءت السورة لتجيب على هذه الإدعاءات.. فأجابت فيما يتعلق بموضوع جبريل عليه السلام (إنّه لقول رسول كريم * ذي قوّة عند ذي العرش مكين * مُطَاع ثم أمين). وأجابت عن الإدعاء بجنون الرسول (وما صاحبكم بمجنون). وعن تقصير الرسول (وما هو على الغيب بضنين). وعن المشيئة في الإيمان لاحقاً إن شاءوا وأحبوا ذلك (وما تشاءون إلا أن يشاء الله). وعن مصدر القرآن شيطان (وما هو بقول شيطان رجيم).

هنا (وما تشاءون..) مع أخواتها "وما" (وما هو على الغيب..، وما صاحبكم..، وما هو بقول..) مع آية (إنّه لقول رسول كريم..) في السورة تشكل إجابات لإدعاءات مسبقة من الكفّار.. فبالتالي (وما تشاءون) هنا مكتفية بذاتها، ولا تحتاج لآية أخرى لتشرحها.. كما حدث في سورتي الإنسان والمدّثر.. ربما من هنا نستطيع أن نفهم لماذا جاءت (لمن شاء) بدلاً من (فمن شاء).. فالآية (لمن شاء) لا تتكلم عن لحظة للاختيار، وما ينتج عنها من فئتين.. بل الآية تتكلم عن أناس قد اختاروا فعلاً.. أي، الآية (لمن شاء) ترتبط بشكل وثيق بما يسبقها..
(( وَمَا هُوَ عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رّجِيمٍ * فأيْنَ تَذْهَبُونَ * إنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ للعَالِمينَ * لِمَن شَآءَ مِنْكُم أن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تشَآءُونَ إلا أن يَشَآءَ اللهُ ربُّ العَالِمينَ * ))
فالقرآن هو ذكر للعالمين، لن يتوقف بسبب ادعاءات الكفار.. بل سينطلق وينتشر ابتداءً من الأشخاص الذين أسلموا واتبعوا الرسول، من الأشخاص الذين استقاموا في مكّة.. فمهمة أن يكون القرآن ذكر للعالمين ستوكّل لـمن شاء في ذلك الوقت أن يستقيم..
ووجود كلمة "صاحبكم" في الآية (وما صاحبكم بمجنون) تدل أنّ السورة نزلت في وقت مبكر من بدء الدعوة.. وبالتالي فإن أغلب سكان مكة هم كفار.. لذلك استعملت كلمة "منكم" في الآية.. (إن هو إلا ذكر للعالمين.. لمن شاء منكم (من أهل مكة، بالتحديد) أن يستقيم). فلو جاءت الآية (لمن شاء أن يستقيم) لدلّت على أي شخص في كل زمان ومكان.. لكن، لأنّ القرآن دقيق جداً، فقد ذكرت منكم لتدل على أنّ عالمية القرآن ستتحقّق من استقامة فئة من أهل مكة بدايةً.. وبالفعل لولا استقامة من أسلم من أهل مكة آنذاك لما كان الإسلام ما كان..

وفي سورة الإنسان تتحدث بداية السورة عن الإنسان كإنسان بدون تصنيف (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا) (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) (إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإما كفورا).. وفي لحظة الاختيار هذه سيتشكل فئتين، الفئة المذكورة بإسهاب في السورة هي فئة الأبرار، ويكون الوصف عليهم في معظم السورة وفق الضمير "هم" (إن الأبرار يشربون من كأس كان مِزاجُها كافورا) (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا) (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا).. (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما) (يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما).
نلاحظ هنا أن (وما تشاءون) لم تأتي بصيغة ضمير الأبرار "هم" كأن تأتي (وما يشاءون)، بل بضمير مختلف والتي تدل على فئة أخرى، الفئة الثانية.


الخلاصة، كنّا نعتقد أن الآية (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) هي قانون شامل لكل مشيئة بشرية في هذه الدنيا.. لكننا في هذه المقالة أعدنا قراءة السياقات الثلاث لهذه الآيات ووجدنا أن جميع هذه الآيات سبقها تذكرة للإيمان، للاعتراف بالحقيقة (الله).. وهذا يعني أنً المشيئة هنا ليست مطلقة، بل مشيئة تتمحور حول موضوع الإيمان فقط.

كنّا نعتقد أن الآية (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) هي لكل بشري على هذه الأرض.. لكننا وجدنا من خلال متابعتنا للقراءة أنّ هناك ثمّة لحظة (إنّ هذه تذكرة) أتبعها مشهد ناقص (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) النقص في عدم ذكر الفئة الأخرى. ثم قانون مفاجئ (وما يشاءون إلا أن يشاء الله). ثم نتيجة تلك التذكرة، نتيجة لحظة الاختيار (يدخل ما يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً). انطلقنا من النتيجة التي تؤكد وجود فئتين وحاولنا إعادة رسم المشهد الناقص، لنفهم عندها سبب هذا القانون المفاجئ.. واستنتجنا أنّ الآية هي فقط مخصصة للفئة الثانية، للظالمين.

كنّا نعتقد أن الآية (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) تعني مما تعنيه أنّ إيماننا وكفرنا هي بمشيئة الله وكنّا نتخُمُها بالفلسفات.. لكننا وجدنا أن الآية تعني أن الظالمين سيحتاجون بالتأكيد لتذكرة، لرسالة، لهزّة لإيقاظهم. وهذه الهزّة لن تأتي إلا بمشيئة الله تعالى.. ليفهموا أنّ أية إشارة أو رسالة ربّانية تضيع منهم هي ربما تكون الأخيرة..



هذه محاولة لرؤية آيات المشيئة بمنظار مختلف.. لعلنا نستطيع أن نلمس المعنى الحقيقي الذي أراده الله جل وعلا.. وبالتالي تكون محاولة لتصحيح وضع الإنسان المسلم، في إعادة بلورة مهامه ودوره، في إعادة تعريف لإمكانياته وقدرته.. بعدما أصبح عالاً وعبئاً على مجتمعه، ومجتمعه أصبح بدوره عالاً وعبئاً على المجتمعات الأخرى..

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.