«فيسبوك»... عكاظ شعري معاصر؟ ارتجال «أون لاين» لا يكفي و«اللايكات» لا يعول عليها

الخميس, November 9, 2017
كاتب المقالة: 

لا يمكن لمستجدات «الزمن الإلكتروني» إلا أن تثير نقاشاً بصدد شعر وشعراء «فيسبوك»، تمخضت عنه متابعات وبرامج ثقافية تسائل الظاهرة، رغبة في محاكمتها للوقوف على إيجابياتها وسلبياتها، من قبيل: «صار (فيسبوك) عكاظاً شعرياً جديداً»، أو «بات فضاءَ نشرٍ يُغني عن المجلة والديوان»، كل ذلك في علاقة بمعطى «استسهال الكتابة»، و«الاكتفاء بـ(اللايكات) المرتجلة»، بدلاً من التفاعل النقدي الجاد.

لكن، قبل ذلك وبعده، هل شعر «فيسبوك» شعر فعلاً؟ وهل نجح شعراء «فيسبوك» في تقديم قصيدة ناضجة فنياً؟ وهل أصبحوا جزءاً من المشهد الشعري العربي؟ أم إن كتاباتهم مجرد «خواطر» يبثها أصدقاء لأصدقاء؟

يعتقد الناقد محمد آيت العميم أن «فيسبوك» هو «وسيط سهل للتواصل»، وأن «ما ينشر فيه، مما يسمى مقاطع شعرية أو خواطر أو لحظات شعرية، يختلف بحسب من يكتب، إذ حينما يكتب شاعر مكرس شعره، يكون قد كتبه حقيقة على الورق، قبل أن ينقله إلى هذا الوسيط، لكي يوصله إلى جمهور كبير؛ لكن حينما يتجاسر أناس لا يكتبون الشعر حقيقة وإنما خواطر مرتبطة بأحداث، تعن لهم في اللحظة، فلا أعتقد أن مثل هذا الكلام يكون له تأثير في الحساسية الشعرية؛ لأن الشعر في عمقه ليس مرتبطاً بالوسيط، سواء أكان ورقاً أم شاشة زرقاء».

ويشدد كاتب «المتنبي... الروح القلقة والترحال الأبدي» على أن «الشعر له هويته الخاصة، بعيداً عن الوسائط، فالكتابة الشعرية هي ممارسة قديمة جداً، تراكمت فيها تجارب وجماليات متنوعة، بحيث لا يمكن لأي وسيط أن يؤثر في جوهره، وإنما قد يؤثر في تداوله».

أما الآن، يستدرك آيت العميم، فـ«هناك شعراء كبار لم تكن تصلنا دواوينهم لظروف مختلفة، أصبحنا نحاورهم حينما ينشرون نصوصهم، بعد أن صار (فيسبوك) وسيلة لإبداء الرأي، قد يكون مبنياً أو وليد اللحظة والبداهة، نتحاور فيه مع الشعراء إعجاباً وتعليقاً، وهو شيء لم يكن متاحاً».

ويرى كاتب «بورخيس صانع المتاهات» أن «من بركات (فيسبوك) أنه قرب المسافة مع شعراء كنا نقرأ لهم»، مشدداً على أن «الشعر يبقى دائماً وفياً للمسار الذي تشكل به عبر القرون، موهبة ومعرفة وإحساساً بالوجود. وبعيداً عن هذه الشروط، نجد أنفسنا، في الفضاء الأزرق، مع فيضانات لا يمكن أن نصنفها في بوابة الشعر، قد تكون خواطر أو أفكاراً».

يستحضر آيت العميم تجربته الخاصة مع الفضاء الأزرق، مشيراً إلى أن النصوص التي صادفها هي إما لشعراء مكرسين، أو فلتات لشعراء لم يستهوهم النشر الورقي، ففضلوا التواصل المباشر مع الجمهور الافتراضي، ملاحظاً أن «هناك بعض الأصوات التي نلمس فيها الموهبة وروح شاعر قادم، لكن (فيسبوك) لا يكفي، إذ لا بد من الخروج إلى عالم النشر حتى يتم تداول هذا الشعر أمام الجمهور وأمام النقد».

فيما يتعلق بـ«اللايكات»، يعتقد آيت العميم أنها «قد تكون، أحياناً، خادعة، من جهة أنها قد تكون تواطؤاً ونوعاً من المجاملات، ومن العادة التي نبديها من دون قراءة فعلية ومتأنية لما كتب، الشيء الذي يعني أن (اللايكات) لا تبدي موقفاً يعتد به، ما دامت ليست تعبيراً عن موقف نقدي، وما دام أن الإعجاب وحده لا يكفي. ولذلك يبقى من المؤكد أن (اللايكات) في (فيسبوك) لا يعول عليها».

- الموساوي: انتشار وقياس تفاعل

يرى الشاعر المغربي جمال الموساوي أن «الشاعر شاعر بغض النظر عن المكان الذي يطل منه على قرائه»، وأنه: «في هذا لا يختلف (فيسبوك) عن الصحيفة أو المجلة أو أي حامل ورقي آخر».

يستدرك الموساوي، فيقول: «هنا يمكن، ربما، الانتباه إلى وجود نوعين من الشعراء على شبكات التواصل الاجتماعي، بغض النظر عن القيمة الفنية والمعرفية لما يكتبونه. هناك شعراء كتبوا الشعر ونشروه قبل ظهور هذه الشبكات، وهناك آخرون بدأوا مباشرة في هذه الفضاءات. وهناك شعر يكتب وينشر مباشرة، وهناك شعرٌ ينشر في مجلات وجرائد ودواوين، ويعاد نشره لتأمين مزيد من الانتشار وقياس تفاعل القارئ بشكل فوري، رغم أن هذا التفاعل قد لا يعكس القيمة الحقيقية للنصوص المنشورة».

والأساسي هنا، يضيف شاعر «كتاب الظل»، هو أن «الشاعر صفة، على الإنسان أن يجتهد ليحصل عليها، سواء في (فيسبوك) أم في مكان آخر»، وأن «الشعر قيمته فيه ولا يستمدها من الحامل الذي يُنشر فيه. بمعنى آخر إن ما يتم نشره في (فيسبوك) أو غيره من الشبكات الاجتماعية يبقى خاضعاً للمعايير نفسها التي يتم بها الحكم على جودة وشاعرية قصيدة ما في المجلة أو الجريدة، مع فارق أنه لا يوجد غربال أو لجنة لانتقاء الأفضل قبل نشره. الحكم متروك للقارئ».

لكن، هل نجح شعراء «فيسبوك» في تقديم قصيدة ناضجة فنياً، أم هي مجرد «خواطر» يبثها أصدقاء لأصدقاء؟

يجيب شاعر «حدائق لم يشعلها أحد»، فيقول: «مما لا شك فيه أن من يتابع ما يُنشر يستمتع بكثير من النصوص الجميلة التي ربما ما كان ليصل إليها لولا (فيسبوك). لهذا أعتقد أن القصيدة تنضجها التجربة والرغبة. أن يصبح المرء شاعراً هو رهان مثل أي رهان أو طموح في الحياة. يحتاج إلى العمل وإلى الجهد وإلى التزود بالمعرفة من خلال القراءة. ما قد يقف عائقاً أمام تحقيق هذا الطموح أمران على الأقل: أولهما استسهال الكتابة مما يسقطها في السطحية، وثانيهما الإغراء الذي قد تمثله كثرة التفاعل والتعليقات التي تحظى بهما بعض النصوص لبعض الشعراء. عدا ذلك فإن من يشتغل على نصوصه، وكان (فيسبوك) اختيارَه للوصول إلى القارئ، سيُنضجُ قصيدته بالتأكيد مع الوقت، وسيتحول إلى اسم مؤثر في المشهد الشعري محلياً أو على نطاق أوسع. بالمقابل، في غياب هذا الاشتغال الدؤوب، وغياب الوعي بالعناصر التي تمنح للكتابة شاعريتها، لن يرقى ما ينشر كي يصبح شعراً، وبالتالي سيظل عبارة عن خواطر وبوح».

ورداً على من يرى أن الشعر هو أكثر ما ينشر على «فيسبوك»، مقارنة مع القصة، وغيرها، يقول شاعر «أتعثر في الغيمة فتبكي»: «لعل هذه الملاحظة تجد مبرراتها في طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي، التي مهمتها المفترضة هي (التواصل)؛ بل التواصل الآني، وبالتالي يبدو الشعر أقرب لتحقيق هذه المهمة، خارج الدردشة طبعاً، وما ينشر هو في الغالب قصائد قصيرة أو مقاطع أو شذرات شعرية، وقليلاً ما نقرأ نصوصاً طويلة. ذلك أن فلسفة مواقع التواصل الاجتماعي تبدو واحدة: (ما قل ودل) يحظى بمتابعة أكبر. وهو ما يمكن أن نلاحظه بالنسبة لفيديوهات (يوتيوب)، حيث ثلاث دقائق مدة مثالية لنجاح الفيديو، ولعله السبب الذي جعل (تويتر) يحدد 140 حرفاً كأقصى حد لتغريدة. وعلى خلاف القصة القصيرة التي تبدو قليلة جداً، يمكن أن نقرأ إلى جانب الشعر قصصاً قصيرة جداً (ق.ق.ج) مثلاً؛ إلا أن حضورها يبقى أقل من الشعر»

المصدر: 
الشرق الأوسط
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.