دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

«البوكر» في كل عام

الأربعاء, June 2, 2021
كاتب المقالة: 

منذ أيام وعن طريق منصات الزوم، التي أصبحت بديلا عن لقاءات المواجهة، أعلنت الرواية الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لهذا العام، وكانت رواية «دفاتر الوراق» للزميل جلال برجس، وهو أيضا شاعر، هجر الشعر مؤخرا وكتب الرواية، ويبدو أن موهبته الروائية كان يدسها الشعر، لأن القليل الذي أنتجه الآن، كان مهما ومقدرا، وحصل على جوائز.
«دفاتر الوراق» تثير التساؤلات العديدة، كونها دفاتر يومية، لصاحب مكتبة تمت مصادرة مكانها، مثل تلك اليوميات التي يكشف عبرها كل مستور، ونجد فيها التاريخ الاجتماعي والوطني، للمكان الذي تدور فيه الأحداث والشخوص المرتبطون به، ومدى أهميتهم في نبش الحكايات والأسرار، وأيضا إبداء الممارسات لمساندة عمل إبداعي، سوف ينجح مستقبلا، كما حدث في هذه الرواية.
الذي يحدث ومع كل إعلان للبوكر، يثار ذلك اللغط المطلوب عن أحقية الفوز أم لا؟ عن الأعمال الأخرى، سواء التي وصلت إلى القائمة القصيرة، أم التي خرجت من الطويلة، وتبدو منصات التواصل الاجتماعي، ساحات مجانية ومتاحة لبعثرة ذلك اللغط.
أنا شخصيا أساند تلك الضجة دائما، أعتبرها ظاهرة جيدة، تبين أن الأعمال الروائية تقرأ، وتقيم من قبل القراء، وطالما اعتبرنا القراء ركائز مهمة في استقبال الإبداع، وكما يقال، هم الجائزة الأهم، بشرط الوعي، أي أن يكون القارئ حقيقيا، قرأ وقيّم بنفسه، وليس مزورا كما يحدث عند البعض، الذين يتابعون القراء من خلف الكيبورد، ويقيّمون الأعمال الكتابية من دون حتى أن يسمعوا بكتابها.
القائمة القصيرة هذا العام، كانت متنوعة حقيقة، وإن كنا نجد دائما تركيزا على الروايات التاريخية، في الجوائز، ليس العربية فقط، بل حتى العالمية. ويبدو أن إعادة كتابة التاريخ، بما فيها من متعة، ومحاولات ابتكار عديدة، تجد أيضا قبولا طيبا عند القراء.
كانت ثمة رواية للعراقية دنيا ميخائيل تتحدث عن مأساة النساء الأيزيديات، وهو موضوع تم طرقه كثيرا منذ جاء تنظيم «داعش» الظلامي وذهب، وأذكر أن هناك نساء مستنيرات من تلك الطائفة، فررن واستطعن أن يوثقن لما حدث، لكن دائما ما تأتي الأفكار مكتوبة بطريقة مختلفة كل مرة.
أيضا توجد رواية تونسية مهمة لأميرة غنيم، عن فضيحة ما في زمن ما، كانت مرشحة بقوة للبوكر، لأنها كتبت بحنكة، وتم استخدام النص فضاء لرواية جزء من تاريخ تونس الحديثة، إضافة لروايات من أصدقاء موهوبين: عبد المجيد سباطة، وعبد اللطيف ولد عبد الله، وشارك صديقنا المخضرم الحبيب السالمي برواية عن الشوق والمتعة، لم أعثر عليها حتى الآن، وأنا من متابعي الحبيب، الذي يكتب بعصرية شديدة كما أقول، هو يكتب روايات ذات هموم معاصرة، ويهتم بالاغتراب وتداعياته، ودائما أبطاله في حالة حنين لحيواتهم القديمة، أو يحاولون الحصول على ما يشتهونه.

كل الجوائز، صغيرها وكبيرها، مكاسب لا بد من الحفاظ عليها، وفي هذا السياق بالطبع، يوجد ربح، وتوجد خسارة، ويمكن بسهولة النظر للأمر بإيجابية كبيرة.

المهم في الأمر، أن هناك جائزة كبرى اسمها البوكر، مستمرة في مغازلة الكتاب منذ اثني عشر عاما، منذ «واحة الغروب» لبهاء طاهر، وتلك القائمة القصيرة التي أذكر منها رواية شعرية فخمة لصديقنا الراحل إلياس فركوح، وفي اعتقادي أنه لولا ما تحدثه هذه الجائزة من صخب سنوي، لما اهتم بها الناس، ليس الأمر في المبلغ المادي للجائزة، بقدر ما هو في الصيت الذي يتبع القوائم الطويلة والقصيرة في ما بعد، والرواية الفائزة أخيرا، ولكثرة مشاركة الناس فيها كل عام ولهاثهم للحصول على فرصة، تم تقنين المشاركة حسب حجم دور النشر، مع إقرار قد يكون شكليا من الكاتب، إنه لم يدفع نقودا لطباعة روايته لدار النشر، لأن مثل تلك الإقرارات توقع وبسخاء في ساعة اللهفة للمشاركة، على الرغم من أنها تلغي أي حقوق للكاتب، أيضا شاهدت عقودا للنشر تحوي فقرة عن تقاسم الجوائز بين الكاتب والناشر، في حالة حصول الرواية على جائزة. هنا الناشر لا يشارك الكاتب واقعه فقط، لكن يشاركه حتى في الحلم، ومعروف أن هناك دور نشر صغيرة جداً، نشأت لتجد كتابا حالمين، يودون المشاركة في جوائز مثل «كتارا» و»البوكر» و»الشيخ زايد» وغيرها من جوائز أحيانا لا يكون أحد قد سمع بها، وأذكر أن هناك جائزة من الصين ظهرت فجأة ذات يوم وأعلنت عن قوائم ثم اختفت لا أدري أين؟
الذي أردده دائما في هذا الصدد، أن كل الجوائز، صغيرها وكبيرها، مكاسب لا بد من الحفاظ عليها، وفي هذا السياق بالطبع، يوجد ربح، وتوجد خسارة، ويمكن بسهولة النظر للأمر بإيجابية كبيرة، أي أن يبعد المغص والمرارة في حالة الخسارة، ويشد الفرح الخفي، أن هناك كاتبا زميلا ربح، ويمكن لأي شخص أن يربح مستقبلا، فقط عليه المثابرة على الكتابة، ومحاولة الابتكار، والعثور على موضوع مهم، مثلما يفعل صديقنا حامد الناظر، الذي يجتهد بشدة ويثابر، وكانت روايته «عينان خضراوان» التي دخلت القائمة الطويلة هذا العام، وكان يمكن أن تستمر إلى القصيرة، فيها حديث مهم عن الحرب في شرق السودان، وعن تغيير العقائد، في قصة تلك الفتاة التي نزحت بعد الحرب من منطقتها، وتاهت في بحر الحياة العريض، قصة ملحمية لافتة جدا. ومؤكد أن حامد لن يلتفت إلى عدم استمرار ملحمته في طريق التتويج، لكن سيخرج لنا بملحمة أخرى مجيدة.
لن نفلت الجوائز مهما كانت الأسباب، ولنحاول في كل يوم التفكير في جائزة جديدة، وما دام الأدب لا يأتي بالمال عن طريق النشر، وأحيانا يضيع الأدب الجيد، وسط التراكم الكتابي، لنخترع الجوائز التي تمجده، وأود أن أشير هنا إلى أن فكرة جائزة «كتارا» في قطر كانت مبتكرة، عشرة فائزين في الأدب يتم انتقاؤهم، وهذا وضع رائع للكتابة العربية، وحتى لو قارنا ذلك بالترجمة التي كنا نظنها نجدة أجنبية حين تأتي، والآن اتضح أنها ليست عونا ماديا بقدر ما هي مشروع انتشار خارجي، قد يحدث وقد لا يحدث.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

5 + 8 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.