هكذا يحفز فيسبوك المغاربة على الإبداع الروائي

الاثنين, February 4, 2019
كاتب المقالة: 

 مواقع التواصل الاجتماعي قامت بدمقرطة النشر الأدبي وفتحت الباب أمام الشباب لنشر نصوصهم الإبداعية التي لم تكن تجد فرصاً في وسائط النشر التقليدية. إسماعيل عزام يتتبع ذلك لموقع قنطرة في أوساط مغاربية.

عندما ازدهرت الشبكات الاجتماعية، ساد توجس من زيادة مسافة البعد بين الشباب المغاربة والكتاب، خاصة مع الأرقام المؤسفة التي تؤكد أن أغلب سكان منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط لا يقرأون في السنة إلّا بضع صفحات. التوجس وجد صدى له مع غزو الهواتف الذكية للحياة العامة، بشكلٍ جعل الكتاب في الكثير من المنازل، لا يصلح سوى لتزيين الرفوف في صالة الاستقبال.

بيدَ أنه ومع كلّ مشاهد التشاؤم، استغل عدد من المغاربة الشبكات الاجتماعية للتقرب من الكتاب، ويمكن للمتتبع زيارة عدة مجموعات على فيسبوك كـ"إصدارات روائية قرأتها" و"ktoubna" و"الرواية المسافرة"، كلها تجمع عشرات الآلاف من عشاق القراءة، فضلاً عن مساهمة القراء المغاربة في نقاشات الكتب عبر منصة "جود ريدز" الخاصة بتقييم المؤلفات.

بيدَ أن هذا الاهتمام لم يتوقف عند مطالعة الكتاب، بل وصل حدّ تأليفه. ويمكن للمتتبع اليوم أن يلاحظ عشرات الشباب المغاربة الذين دخلوا مجال الكتابة الروائية في وقت مبكر من حياتهم، رغم أن بعضهم لم يعرف له سابقاً مسار أدبي إلّا عبرَ جدران فيسبوك.

ومن الكتاب الذين تعرّف عليهم القارئ المغربي عبر الشبكات الاجتماعية، هناك عبد العزيز العبدي الذي نشر "كناش الوجوه" (ترجمة لكلمة فيسبوك)، وكذلك عبد السميع بنصابر الذي أصدر  مؤخراً رواية "ذيل الثعبان"، ومحمد بنميلود صاحب رواية "الحي الخطير"، فضلاً عن أسماء أخرى بدأت أو روجت لأعمالها الأدبية باستخدام الشبكات الاجتماعية، نتعرف على بعضٍ منها في هذا التقرير، علماً بأن اختيار الأسماء الواردة ليس نتيجة تقييم أدبي، بل باعتبارها أمثلة لإلقاء الضوء على ظاهرة الكتابة بين الشباب المغاربة.

 

عبد المجيد سباطة

فاز سباطة قبل أسابيع بإحدى جوائز المغرب للكتاب عن روايته "ساعة الصفر"، ثاني أعماله الروائية. يقول لموقع قنطرة إن علاقته مع الكتابة الأدبية بدأت قبل ظهور الفضاءات الرقمية، لكنه يستدرك القول إن الفضاء الرقمي وضعه في "مواجهة مباشرة" مع القراء الذين يراجعون عمله ويقدمون له ملاحظاتهم بهذا الشأن، مشيراً إلى أن الجهد لا يزال مطلوباً حتى نصل إلى "تحقيق حلم المجتمع القارئ، أو على الأقل صناعة جيل مبدع قادر على مواصلة المسيرة الأدبية المغربية".

لكن ألم يستفد سباطة من الشبكات الاجتماعية لترويج عمله الأخير؟ يجيب المتحدث إن النشاط الرقمي ساهم فعلاً في التعريف بالرواية، لكنه ليس لوحده كافياً: "التعويل فقط على عدد المتابعين الافتراضيين خطأ فادح ظهرت نماذج تبعاته أكثر من مرة، لا يصح إلا الصحيح في نهاية المطاف، العمل الجيد قادر على فرض تميزه مهما طال الزمن، أما الرديء فسينساه الجميع وإن امتلك صاحبه مئات الآلاف من المتابعين".

{"العمل الجيد قادر على فرض تميزه مهما طال الزمن، أما الرديء فسينساه الجميع وإن امتلك صاحبه مئات الآلاف من المتابعين"، كما يقول عبد المجيد سباطة.}

فاطمة الزهراء الرياض

تملك الرياض عدة أعمال أدبية، وقد أصدرت قبل أيام روايتها الجديدة المعنونة بـ"المختلف.. رجل لا يقول أنا". تؤكد في حديثها لقنطرة أن فيسبوك، وبعدما تصورته مكاناً للتواصل مع أصدقاء الدراسة القدامى، صار الفضاء الأنسب لتعويض الكتابة في المذكرات الخاصة. وتضيف أنها في البداية كانت تستسهل تدويناتها، إلّا أنه مع الوقت، تحوّل فيسبوك عندها إلى"مركزٍ ثقافيٍ افتراضي": "صرت أذهب إليه لإلقاء قصيدة أو كتابة خاطرة ومعرفة آراء المتتبعين آنياً، فكان تشجيعاً مجدياً على الانطلاق من مغمورة إلى قاصة ثم روائية".

وتشير فاطمة الزهراء إلى أن الجيل الحالي يشهد أحداثاً سريعة في عدة مجالات، كان قاسمها "كثرة الألم والدهشة"، لذلك "لعلنا في زمن الحاجة إلى كتابة لها موقفها وتأملاتها الشخصية؛ كتابة تعبر عن جيلها وتعكس ما يدور حوله".

وتبرز فاطمة الزهراء الرياض أن رواية اليوم، ورغم ما "يطالها من اللا اعتبار عند النقاد والتجاهل من طرف كبار الكتاب والاستسهال من لدن الكثيرين، هي اليوم صوت جديد يفرض نفسه بقوة حاصداً الجوائز الكبرى ومهيمناً على سوق الأكثر مبيعاً أيضاً".

طارق بكاري

اشتهر طارق بكاري برواية "نوميديا" التي بلغت مرحلة القائمة القصيرة لجائزة البوكر، وقد أصدر قبل مدة قصيرة رواية "القاتل الأشقر". يفسر بكاري اقتحامه المجال الروائي وهو في سن مبكرة بكون القراءة هي ما يغذي الموهبة، وهي ما يمنح للكاتب "أعماراً فوق عمره وتجاربَ فوق تجربته"، متحدثاً لقنطرة: "علمتني صحبة أبطالي الورقيين أن عمراً قصيراً بتجارب عظيمة خير من عمر مديد بسنوات عذراء.. التجربة ليست رهينة بأعمارنا بل بنوعية الحياة التي عشناها".

 

{"مع الوقت، تحوّل فيسبوك عندي إلى مركزٍ ثقافيٍ افتراضي...صرت أذهب إليه لإلقاء قصيدة أو كتابة خاطرة ومعرفة آراء المتتبعين آنياً، فكان تشجيعاً مجدياً على الانطلاق من مغمورة إلى قاصة ثم روائية...لعلنا في زمن الحاجة إلى كتابة لها موقفها وتأملاتها الشخصية؛ كتابة تعبر عن جيلها وتعكس ما يدور حوله"، كما تقول فاطمة الزهراء الرياض ولها أعمال أدبية، منها رواية: "المختلف.. رجل لا يقول أنا".}

 

ولا يعتقد بكاري أن المواقع الاجتماعية تؤثر سلباً على القراءة، فداخل هذه المواقع هناك "جمهور محتمس للقراءة يكبر بوتيرة مطمئنة"، وبما أنه داخل كل "مدمن للقراءة استعداد للانتقال إلى الكتابة، فإن عدداً مهماً من الشباب يكتب ويطرق أبواب النشر".

 

وهناك حسنة أخرى للمواقع الاجتماعية: "لقد فتحت نوافذ محبة مباشرة وعفوية بين الكاتب وقرائه وساهمت في خلق لقاءات بين الطرفين، وأخرجت إلى الهامش وسائط إعلامية كانت ترتهن إلى الشللية وتبادل المصالح في نشرها للأعمال الأدبية"، يقول بكاري.

بين "دمقرطة النشر" وخلط الغث بالسمين

يقول عبدالرزاق المصباحي، ناقد ثقافي مغربي، لموقع قنطرة، إن المواقع الاجتماعية قامت بـ"دمقرطة" النشر، أي أنها "فتحت الباب أمام الكثير من الشباب لنشر نصوصهم الإبداعية التي لم تكن تجد فرصاً في وسائط النشر التقليدية". 

 

ما يتفق الإعلامي المغربي في الشأن الثقافي، ياسين عدنان، مع الفضل الكبير للمواقع الاجتماعية على الأدب وأهله: "خلقت فضاء تواصل مع القراء، حيثُ صار ممكناً الترويج يومياً للأدب.. كما أن مساحة التدوين المتاحة فيسبوكياً تحرّض على الكتابة، وحيويتها تساهم في دمقرطة فعل الكتابة بشكل رائع" يقول عدنان لقنطرة.

لكن السلبيات متعددة، فكثرة الأعمال الأدبية المنشورة أو المروّجة عبر وسائط التواصل الاجتماعي دفعت الكثيرين إلى استسهال اقتحام مجال الإبداع دون التسلّح بما يلزم من الزاد اللازم لذلك. وفي هذا السياق يتحدث عدنان: "صارت اللايكات السريعة بمثابة إشارة انطباعية فورية تُغني عن التناول النقدي الرصين. هذا الوضع قد يساهم أحياناً في خلط الأوراق إذا لم يتم تحديد مجال الكتابة بدقة".

وفي هذا السياق، تَحمل فاطمة الزهراء الرياض نظرة سوداوية للعلاقة الحالية بين فيسبوك والأدب، ففضلاً عن تسلّل من تسميهم بـ"راكبي الأمواج"، ترى أن فيسبوك "لم يعد يشجع الآن إلّا الصور والأخبار الزائفة والتدوينات المليئة بالسباب، بينما يترك مدوني الشعر والقصة والخاطرة في ركنهم القصي الهامشي".

يتفق المصباحي مع هذه الآثار السلبية للمواقع الاجتماعية على الأدب، إذ يقول إن "عددا من مقتنصي الفراغ الذي يحدثه عدم قدرة النقد على متابعة كل ما ينشر على هذا الوسائط، استغلوا هذه الأخيرة لأجل صناعة أسماء وهمية تتغذى على الماركتينغ الثقافي".

{"لقد فتحت مواقع التواصل الاجتماعي نوافذ محبة مباشرة وعفوية بين الكاتب وقرائه وساهمت في خلق لقاءات بين الطرفين، وأخرجت إلى الهامش وسائط إعلامية كانت ترتهن إلى الشللية وتبادل المصالح في نشرها للأعمال الأدبية"، كما يقول طارق بكاري.}

كما يبرز المصباحي أن الكثير من الكتاب المغاربة لم يستثمروا ما تفرزه هذه الوسائط من قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية يمكن أن تكوّن روافد تخييلية.

لكن ورغم هذه السلبيات، فالملاحظ أن هناك دينامية كبيرة للنشر بين الشباب المغاربة، وهي ظاهرة صحية شرط حماية الجيل الحالي من "فوضى الكتابة أو ظاهرة الكاتب الذي لم يسبق له أن قرأ كتاباً في حياته، وهي ظاهرة تعاني منها دول أخرى"، يقول عبد المجيد سباطة.

بيد أن المصباحي يملك تفسيراً آخر: "هناك دينامية تصنعها الجوائز بدرجة أولى، وهذا  لا ينفي القيمة الفنية لكثير من روايات مبدعين مغاربة شباب".

ويتابع المصباحي أن "الاعتماد على ضوء الجائزة وعلى الماركتينغ الثقافي لا يصنع روائيا حقيقيا، لذلك لم نلمس بعد وجود روائي شاب يمتلك مشروعا تخييليا يحصل على مساحات قرائية أوسع بعد عمل صنعه ضوء الجائزة"، ويتابع الناقد أن الروائيين الشباب مدعوون إلى التأسيس لمشاريعهم الخاصة بدل تقليد أنساق فنية تنمط أعمالهم وذلك خلال سعيهم للظفر بالجوائز. 

المصدر: 
موقع قنطرة 2019
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.