دار الفكر

آفاق معرفة متجددة

مريم التحدي: بارقة أمل

الأربعاء, November 7, 2018
كاتب المقالة: 

ليومي العربي مليء بالمشاحنات والمكابدات التي لا يمكن أن تسلّم إلا إلى اليأس والقنوط والتوجس من المستقبل. فعلاوة على ما يجري واقعيا من توتر في العلاقات، وانسداد الآفاق، تزخر الوسائط الجماهيرية والشعبية الجديدة بما يعكس صورا من هذا الواقع المؤلم، الذي يتخبط فيه الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج. ويكفي لمن يتابع الجرائد اليومية، وبعض القنوات والوسائط، أن يخرج بخلاصات تبين بالملموس أن أخطبوط الفساد بكل أنواعه استشرى بصورة لم تبرز في أي من الحقب السابقة. وما يجري على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يتحقق بالكيفية نفسها على المستويين التربوي والثقافي.
لكن وسط هذا الواقع القاتم، والظلام الدامس الذي يعمل المتنفذون على إدامته هنا، لينعموا بالأضواء والأنوار، كلما قاموا برحلات دائمة إلى هناك، بدعوى المهام التي يستغلونها لقضايا مآربهم بالأموال التي تحصلوا عليها بالزور والبهتان، تبزغ بين الفينة والأخرى بوارق أمل في أن الخير مستمر في هذه الأمة، وأن آمالهم في إجهاض أي تحول يمكن أن يغير الموازين ضدهم، لا يمكن أن تؤول إلا إلى فشل ذريع، وإن موعدهم الصبح. ومهما بدا هذا الصبح بعيدا، فهو جد قريب.
مريم أمجون، الطفلة ذات الربيع التاسع من عمرها تدخل السرور على ملايين المغاربة والعرب أيضا. إن تتويجها في مسابقة «تحدي القراءة» التي أقيمت في دبي حدث ثقافي واجتماعي بامتياز. ولا دخل فيه للسياسات المتبعة في التعليم، ولا في التنشئة الاجتماعية والثقافية، إذ لم تعمل أي من تلك السياسات لا على تهيئة شروطه، ولا إعداد السياقات المؤدية إلى نتائجه. هذا الحدث الذي خلقته تلك الطفلة، وجعلته حديث الأحاديث الذي يغطي على أخبار المديونية، وفشل الحوار الاجتماعي، والساعة التي أنت فيها، وانقلاب القطار، والترامي على أملاك الدولة، والفساد بكل أنواعه، يكشف لذي عينين أن الخير متواصل مهما كانت أسباب الشر مهيمنة، وأن بوارق الأمل لا يمكن إلا أن تبرز بين الظلامات التي تؤدي إلى خلق اليأس، وتدفع إلى التشاؤم.

يمكن أن تستفيد كل الأسر المغربية والعربية من هذا الدرس الذي قدمه تتويج التحدي لمريم أمجون، خالقا بذلك بارقة الأمل.

بارقة الأمل تلك، في غياب أي رؤية مستقبلية تفتحها السياسات العربية في أي مجال من مجالات الحياة، تولدت عن ثلاثة مكونات: المبادرة، الاستعداد، البيئة. أما المبادرة فتتمثل في برنامج المسابقة الذي أعدته الإدارة الخاصة بها من دبي. إن مثل هذه المبادرات الثقافية ـ الاجتماعية جديرة بالتقدير، لأنها دالة على الرغبة في الخروج من دائرة الجمود الثقافي والاجتماعي. إنها بتوفيرها شروطا للعمل تخلق مناخا تحفيزيا للتجديد والتطوير. ولا يمكن للعمل الثقافي، أيا كان نوعه، أن يتطور في غياب المبادرات الجادة والجديدة.
أما الاستعداد فهو وليد توفير شروط خاصة للطفلة لكي تنخرط في حياة مختلفة عما هو سائد. ولم يكن هذا الاستعداد للقراءة عند مريم أن يتحقق لولا البيئة التي تربت فيها. إن البيئة الخاصة التي وفرتها الأسرة في شخص الأبــــوين والعائلة (العم) الذين عملوا مجتمعين على الاهتمام بالكتـــاب وتوفيره داخل البيت، وإيلاء عناية خاصة لدفع مريم إلى محبة الكتاب والمطالعة، كل ذلك إلى جانب الإعداد للمسابقة بروح جماعية لا يمكن إلا أن يؤدي إلى التتويج.
نستنتج من كل ذلك أن البيئة تدفع إلى توفير الاستعداد، وحين تكون المبادرة تأتي النتائج المرجوة. لكن البيئة العامة حين تكون غير متحققة بسبب السياسات المتبعة يُصادر أي استعداد ممكن، ويقبر حتى قبل تشكله. وحين تغيب المبادرات الحية، تكون المخرجات سلبية. وتتويج مريم بجائزة تحدي القراءة، إذا قلبنا تلك المكونات، نجدها ابتدأت بمبادرة الأسرة، في توفير بيئة خلق الاستعداد، فكانت النتائج إيجابية. هذا هو الدرس الجوهري الذي يمكننا استخلاصه بالنسبة للأفراد في غياب الجماعة. وهو درس ثمين، لأنه يبين لنا أن الجماعة حين تكون ملهية بأمور لا جدوى منها، على الفرد أن يتحمل مسؤولية نجاحه، ويعمل على توفير أسبابه، ولو ضد رغبة الجماعة. وكل النجاحات التي حققها أفراد في المغرب، وغيره، لم يكن للدولة فيها أي دور، بل إنها، بانتهازيتها، ترى أن لها يدا في ما لم تضع فيه بصماتها؟
يمكن أن تستفيد كل الأسر المغربية والعربية من هذا الدرس الذي قدمه تتويج التحدي لمريم أمجون، خالقا بذلك بارقة الأمل. ولعل المبادرة فيه تكون أولا برفض التصورات التي تروجها الإعلانات عن التعليم الخصوصي، وبأنه المفتاح السحري لفتح آفاق مستقبل فلذات أكبادنا التي تمشي على الأرض. إنها تصورات مغلوطة، تبيع الوهم، وتخلق ظاهرة التباهي والتفاخر المبني على الزيف الاجتماعي. وثانيا بتوفير الأسرة البيئة المناسبة للأطفال ليعيشوا في مناخ يطبعه الوئام بين مكونات الأسرة، من جهة، وبالتربية القائمة على حب الوطن والتشبع بالقيم السامية، التي يكون مدخلها الشغف بالكتاب والمطالعة، ومحبة الفنون والآداب، من جهة ثانية. بذلك يمكننا خلق الاستعداد لدى الطفل ليبني شخصيته الخاصة والمتميزة، رغبة منا في ألا يكون كالأبناء الآخرين الذين نقدمهم له نموذجا، ونحن نرتكب أخطاء المقارنة مع الغير. التحدي الذاتي بارقة أمل في غياب الجماعة.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

16 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.