لقاء مع المفكر والناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي

السبت, June 27, 2020
كاتب المقالة: 

أكد الناقد السعودي الدكتور عبد لله الغذامي إيمانه الشديد بفكرة المثقف الناقد، ولذلك فان الأولوية بالنسبة اليه هي لبعث الحس النقدي.. ولفت في حوار مع " اشرعة " الى ان نقد الذات ونقد الثقافة ونقد المجتمع ونقد المؤسسة، لا يعنى بالضرورة محاربتها وإيذائها والتصادم معها لذات التصادم وإحراجها أو القضاء عليها. وحول حديثه عن موت النقد الأدبي يقول: " أن النقد الأدبي قد بلغ حد النضج، او سن اليأس حتى لم يعد بقادر على تحقيق متطلبات المتغير المعرفي والثقافي الضخم الذي نشهده الان عالميا ولذلك لابد من توسيع هذا المفهوم ليصبح نقداً ثقافياً شاملاً.

والدكتور عبد الله الغذامي من مواليد 1946. وهو أستاذ أكاديمي وناقد أدبي وثقافي. وأستاذ النقد والنظرية في كلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض. وحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة اكستر البريطانية، وهو صاحب مشروع في النقد الثقافي وآخر حول المرأة واللغة.

صدر له 21 كتابا في النقد منها: النقد الثقافي. الكتابة ضد الكتابة ـ ثقافة الأسئلة.. مقالات في النقد والنظرية. نقد ثقافي ام نقد ادبي ...

حصل على جائزة مكتب التربية العربي لدول الخليج في العلوم الإنسانية. وجائزة مؤسسة العويس الثقافية في الدراسات النقدية، وتم تكريمه من قبل (مؤسسة الفكر العربي) للإبداع النقدي.

 

 

*أشرت في كتابك " نقد ثقافي ام نقد أدبي" إلى ضرورة توسيع دائرة النقد الأدبي ليصبح نقداً ثقافياً لا نقداً أدبياً فقط، هل يمكن إيضاح هذه النقطة؟

 

** إن توسيع دائرة النقد لتشمل كل ما هو ثقافي وروحي وحياتي هو أكثر ما يقلقني، وذلك يعود إلى أن جملة من الإنكسارات الذاتية ترسبت في ذواتنا وواقعنا، صار لابد من محوها عبر قناة النقد الثقافي الذي يشمل وجوهاً عديدة من الحياة وليس الأدب فقط.

إنني أحس أننا بحاجة إلى النقد الثقافي أكثر من النقد الأدبي، ولكن انطلاقاً من النقد الأدبي لأن فعالية النقد الأدبي جربت وصار لها حضور في مشهدنا الثقافي والأدبي وقد توصلنا إلى أن الكثير من أدوات النقد الأدبي صالحة للعمل في مجال النقد الثقافي بل أستطيع أن أؤكد بأننا ومنذ عصر النهضة العربية وحتى يومنا الراهن ما من شيء جرب واختبر ثقافياً مثل النقد الأدبي، ولهذا أدعو إلى العمل على فعالية النقد الثقافي انطلاقاً من النقد الأدبي وعبر أدواته التي حازت على ثقتنا بعدما أخضعناها للمعايير المعروفة عالمياً ولا شك بأنه بات للنقد الأدبي في بلادنا العربية من الحضور والسمعة ما يؤكد على أهميته في حياتنا الثقافية والأدبية، وأن المشكلات أو الملاحظات التي تسجل على النقد الأدبي لا تتوجه نحو الأدوات أو الضرورات، وإنما تتوجه إلى الغايات والمقاصد وطرائق العمل في مجالات النقد والتي تؤدي أحياناً أو أغلب الأحيان إلى ما نسميه بالتحيز والمحاباة أو الاقتصار على أمر

من الأمور كالجانب التنظيري وحسب.                                                                                                                     

*: ماهي التساؤلات المفترض ان يجيب عليها النقد الثقافي؟ 

** أن الثقافة العربية سجل ضخم جداً، سجل متنوع الوجوه والأشكال والتكوينات، والسؤال الذي يطرح نفسه هل نستطيع داخل هذا السجل الضخم أن نقرأ بعض أنساقه على أنها نص واحد طويل الأمد يتشكل على مدى قرون ويحمل سمات أساسية وجوهرية..  دور هذه السمات قد يكون ايجابيا و قد يكون سلبيا، وبالتالي هل باستطاعتنا أن نتعرف على عيوبنا الحضارية وعلى اسباب عدم قدرتنا على تحقيق النهضة العربية حتى الان؟؟ هل هي أسباب سياسية؟ ام تاريخية راهنة؟  أم أن هناك إشكاليات قديمة مستمرة تفرز هذه العوائق دون أن نعيها؟ وما الذي يجعل الديمقراطي مثلاً، حينما تتيسر له قيادة الأمور ان يتحول إلى ديكتاتوري؟! لماذا نجد داعية الحرية وداعية الإنسانية إذا ملك ناصية القرار يتحول على مستبد ؟!، وما الذي يجعل فكرة المستبد العادل مطلب من الجماهير وليس من المفكرين؟! وبالتالي لماذا نريد مستبد من نوع ما.. ونشعر أنه لا ينقذنا إلا هذا المستبد.. لا ينقذنا إلا الرأي الواحد.. لا ينقذنا إلا الرأي الذي يأمرنا ونحن ننصاع؟! لماذا  نحن كجمهور وكأمة لسنا منتجي أفكار عملية،  لا يعني هذا أنه ليس عندنا أفكار، عندنا زخم من الأفكار، لكن لما هذا الزخم الضخم من الأفكار لا يتحول إلى برامج عمل ؟!، هذه أسئلة اعتقد أننا نجد اجابتها عبر قراءة الثقافة نفسها لان الثقافة تبرمجنا و عبر هذه برمجة يجد الإنسان نفسه منساقاً أحياناً إلى تصرفات لا يعلم لماذا قام بها، أذكر  من الاحداث التي صدمتني بشدة عندما  اجريت لقاءات مع قادة الحرب اللبنانية ولم يستطيع أحد أن يعقلن ما كان يفعله في السابق،  أي أثناء الحرب الأهلية، كل منهم يقول أنه كان خارج عن عقله .. خارج عن قدرته على التفكير..  قدرته على التبصر بما يعمل، كانت مجريات الحرب الأهلية تقودهم بشرطها هي لا بشروطهم هم مما يعني أن هناك عيوبا نسقية خفية متشكلة في الأفراد تجعلهم يتخذون قرارات إذا عادوا لوعيهم يرونها غير صحيحة لكن بعد فوات الأوان، والسؤال ما الشيء اللا واعي في الثقافة الذي يدير كينوناتنا، الثقافة تشبه علم الوراثة الجينات حيث نجد هناك جينات ثقافية تنغرس في تكويننا.

مجمل هذه التساؤلات تقتضي مشروع نقد ثقافي لكي نرى ثقافتنا على حقيقتها.. نرى الجمالي والمثالي فيها .. كما نرى القبيح المعيب، نرى لماذا اللاإنساني ينتصر على الإنساني دائماً؟   عندنا المشوه ينتصر على الجميل   لماذا؟ ثقافتنا لا ينقصها جماليات ولا ينقصها مثل ولا قيم إذاً لما هذه القيم لا تقود واقعنا؟  يجب أن نطرح هذا السؤال بقوة، وباعتقادي ان السبب يعود لوجود نسق نقيض دائماً ينقض مثل ما حدث في ورقة الليل، أن خطاب الحب خطاب راقي لكن هناك شيء ينقض هذا الخطاب باستمرار.. يفككه ويجعله غير صالح.. غير منتج.. غير إيجابي.. وغير مثمر، لا بد ان نكشف هذه العيوب.. عيوب الأنساق الثقافية ولايتسنى هذا إلا عبر مقولة النقد الثقافي وليس عبر النقد الأدبي الذي مارسناه لمدد طويلة جداً وكان يقف على جماليات النص وجماليات التذوق والاستقبال وروعة النص وما إليه.. هذا أمر مسلم به لكن هل بالنصوص أيضاً النصوص كمجموعة نصوص هل فيها عيوب نحن نستهلكها دون أن نعي هذا هو السؤال.

* ضمن هذه المقولة الجدلية هل يمكن القول إنك توصلت الى اجابات...؟

** أسست الثقافة العربية خلال فترات طويلة على مفهوم الفحل في الشعر العربي، وقد انتقل هذا المفهوم من الشعر السياسي إلى علم الاجتماع.. إلى الفكر.. إلى الثقافة عامة فصار لدينا الفحل السياسي والفحل الاجتماعي والفحل الثقافي والفحل الإعلامي بمعنىان المفهوم دخل كل أنساق الحياة.

 في الشعر نكبر الفحولة والقوة.. نكبر المبالغة.. نكبر الكذب الجميل. كما نكبر القيم المجازية ونكبر اللغة التي تقول الشعراء يقولون ما لا يفعلون، هذه سمات شعرية لو بقيت في الشعر فلا إشكال لكن عندما تنتقل الى مناحي الحياة المختلفة سوف تخلق اشكالات حتما ، ان اللغة أهم شيء في حياة الإنسان فهي  التي تصنعه وتصنع تفكيره.. وتصنع رؤيته للعالم ..تصنع موقفه في الوجود ..تصنع طريقة استقباله للعالم،  فإذا سيطر على اللغة   البعد المجازي ..اللا عملي واللا منطقي واللا عقلاني فمعناه أن هيئة استقبالنا للعالم اصبحت مجازية لا منطقية ولا عقلانية وتقوم على ذات فحولية وفي هذه الحالة يظل إنتاج هذه الصيغ المغلوطة باستمرار، وبالتالي يجب أن نكشف هذه الذات الفحولية المتجعرفة لكي نعرف أنها

 علة ويجب أن نتخلص منها وان نخرج   إلى شخصيات حوارية قادرة على أن تقوم بقيم العمل بدلاً من قيم المجاز، أن تجعل اللغة نفسها لغة قول حقيقي.. نحن نقول منذ خمسين سنة ان فلسطين عربية، وهذه جملة لغوية لم تتحول إلى حقيقية تاريخية ولا حقيقة عملية لأنها ظلت كأنها مجاز لغوي، ولكن لابد أن تكون هناك برنامج عمل ..برنامج تخطيط واستراتيجية ..وبرنامج تحقق هذا الذي أقوله.

* إذا حاولنا أن ننتقل إلى مسألة الحوار الثقافي السائد الآن كيف تقيم هذا الخطاب ضمن هذا المفهوم؟ .

** لا أريد أن أتجنى على خطاب ثقافي لأمة كاملة، خاصة الخطاب السائد، وأقول أن كله معيب وليس فيه اجتهادات هامة وقوية وراقية جداً، لكن لابد من القول ان هذا الخطاب يعاني من المشاكل أحياناً، كثيراً ما نجد بعض المثقفين الذين وصلوا على مرحلة متقدمة و صاروا رموزا الا اننا نجدهم يقومون على فكرة إلغاء الآخر باستمرار.. فكرة الأنا الطاغية.. فكرة أنه الوحيد سواء بشخصه أو بأفكاره ولا يحتمل أبداً الذوات الأخرى أو الأفكار الأخرى، كل الصيغ الفكرية التي تطرح كحلول لمشاكل الأمة تأتي دائما على مراحل كل مرحلة تحمل صيغة واحدة لا تتآلف مع الصيغة الأخرى، وهذه الصيغة تأتي بعدها صيغة تلغيها إلغاءً تاماً.. وتصنع صيغة أخرى بدلاً عنها ثم تأتي صيغة ثالثة ورابعة.. يعني لو استعرضنا العقود السبعة الماضية نجد كل عقد يطرح صيغة لكن يطرحها وكأنها الحل الوحيد الذي لا حل سواه ملغياً الحلول السابقة ويؤهل نفسه لكي يكون ملغياً من حل يأتي بعده، لكن لم نجرب ان نتعامل مع الصيغ باعتبارها كلها إمكانيات اجتهادية يمكن أن توصلنا إلى نوع من الخطاب التحضري،  لذلك تجد عندما تقرأ لكثير من المثقفين الكبار انهم أحاديين لأن الفحل الشعري نفسه يتكرر وتجد ثنائية المديح والهجاء، وهذا الامر انسحب على   الخطاب الثقافي السائد نفسه، فاذا كان الشاعر يعتمد على صيغة المدح والهجاء لتحقيق مآربه نجد أيضاً المثقف يستخدم صيغة المدح والهجاء بلغة مختلفة لكن هي الصيغة ذاتها،  يعني لو نأخذ الخطاب الإعلامي مثلاً بين دولتين عربيتين في حالة الوفاق نجده خطابا مسالما مدائحيا، وعندما  يحصل خلاف ما بين هاتين الدولتين  اقرأ عندها خطاب كل واحدة عن الأخرى، وما يلبث أن يعود مرة أخرى ويتحسن وكأن شيء لم يكن،  يعني نفس صيغة الهجاء والمديح القديمة تستمر وتتآكل وتأكل بعضها بعضا .

* التأثير السياسي على الثقافي ضمن هذا الخطاب كيف تنظر له ؟

** من المعروف ان الشعر يعتمد عادة   على الجملة البليغة اللحظية وليس على الفلسفة الكلية، يعتمد على الجملة المسكتة.. الجملة القوية القاطعة، فهو آني ومرحلي، كذلك تجد ان استجابة المثقف للسياسي استجابة آنية ومرحلية وليست استجابة استراتيجية، ناحية أخرى أنا أقول أن السياسي هو ضحية للثقافة وهو ناتج ثقافي لأن أي إنسان سياسي أو أي فكر سياسي هو منتوج ثقافي تراكم عبر سنين وولد أنواعا من الشخوص وأنواعا من الأفكار، فبالتالي لكي نعرف العلة السياسية لا بد أن نبدأ بمعرفة العلة الثقافية لأنها هي الأصل.

* في هذه الحالة كيف ترى طبيعة العلاقة بين السياسي والمثقف؟

** العلاقة بين السياسي والمثقف قديمة جداً منذ أن نشأت علاقة الشاعر المداح مع الملك الممدوح في أواخر العصر الجاهلي ثم بعثت في العصر الأموي ثم تكررت في العصر العباسي واستمرت الى يومنا هذا..  حصل تواطئ بين الثقافي والسياسي لمصلحة الطرفين كل واحد منتفع من هذا التواطئ وظل هذا التواطئ يتكرر وإن بصيغ مختلفة وما لم نفك هذا التواطئ و ننتج المثقف الناقد وليس المثقف المناوئ فقط للمناوئة، نريد المثقف الناقد الذي يملك وعيا نقديا لكي يجعلنا على بينة بالأخطاء التي نقترفها وإلا سيكون المثقف هو الذي يغطي على هذه الأخطاء وتمر دون أن ندرك سلبياتها إلا بعد فوات الأوان.

* بناء على ماذهبت اليه ما هي أولويات المثقف الآن  ؟

** أنا أؤمن إيمانا شديدا بفكرة المثقف الناقد، لذلك الأولوية هي لبعث الحس النقدي.. نقد الذات ونقد الثقافة ونقد المجتمع ونقد المؤسسة، لا بمعنى محاربتها وإيذائها والتصادم معها لذات التصادم وإحراجها أو القضاء عليها، المثقف الناقد هو بالحقيقة صديق للمؤسسة لكنها صداقة من نوع مختلف صداقة من يحاول ان يربي المؤسسة تربية إيجابية عملية تعي أخطائها ولا يعميها عن هذه الأخطاء،  الذي يعميها عن هذه الأخطاء أعتبره مثقفاً متآمراً لأنه يجعل المؤسسة لا تعي بأخطائها فبالتالي يقضي عليها، اما المثقف الناقد فهو صديق المؤسسة الحقيقي لأنه يبين لها الأخطاء التي ترتكب ويدفع بها إلى معالجة هذه الأخطاء .

* وكيف ترى ثنائية العلاقة بين المثقف والمتلقي ؟

** المثقف يستطيع أن يكون مثقفاً حقيقياً إذا صار نموذجاً راقيا و ليس نموذجاً انتهازياً أو ابتزازياً، إذا قدم المثقف نفسه كنموذج راقي، وهذه قد تكلفه ثمن باهض يمكن ان يدفع حياته وراحته أو يدفع قوت يومه من اجلها لأنها  نوع من النضال،  فلا يمكن للجمهور العريض الذي يستقبل الثقافة ان يستقبل ثقافة صحيحة إلا إذا خرجت من نماذج عالية يعني نموذج المثقف الناقد كما سميته المثقف الذي يعمل  من أجل تكوين ذهنية ذات وعي ايجابي نقدي أيضاً بحيث أن الجمهور نفسه يمتلك هذه الذهنية النقدية، لقد اعتدنا على نموذج المثقف كمؤلف فتقرأ الكتاب لكي تأتيك الطبخة جاهزة وتصبح مجرد تلميذ على هذا الكتاب، لكن ليس أمامنا المؤلف الذي يجعل القارئ ناقداً للمؤلف نفسه، إذا توفر لدينا هذا المثقف  الذي  يستنبت روحاً نقدية في القارئ لكي ينتقد المثقف نفسه ليس من خلال الكتاب فقط، فالمثقف نفسه وهو ينتقد المؤسسة أيضاً يتعرض إلى نقد من جمهور يستقبله وجمهور يتدرب على نقد المثقف لأن هو نفسه يعطي الجمهور أدوات لنقده ولنقد أطروحته، وإن لم يحدث هذا فنحن دائماً نقدم إذاً طبخات جاهزة تستهلك لظرفيتها ولا يعود لها أي مفعول .

* هناك الآن شرخ بين المثقف بشكله الحالي والجمهور، ألا يعتبر هذا الابتعاد نوع من النقد برأيك؟

**أنا لا أعتبر هذا نقدا بل أعتبره رفضا و خيبة أمل، الجمهور أصبح يشعر بخيبة أمل من مثقفيه يعني لم يعد يجد عندهم الشيء الذي يريده ويحتاجه، اذا لاحظنا مثلاً معارض الكتب نرى أن هناك بعض الكتب التي تباع بشكل كبير جداً، ونرى أن هناك مؤلفين أو محاضرين أو متحدثين يقبل الناس عليهم اكثر من غيرهم ،  بالتالي    فالإقبال والاستقبال موجود لكن  له نوعيته الخاصة،  هل يستطيع المثقف الذي يحمل رسالة حقيقية للامة وللثقافة أن يعرف الرسالة التي توصله للناس ..لا يتعالى عليهم لا يبتعد عن الخطابات التي تمسهم مباشرة وإنما يدخل بهذه الآلية التي نحن بحاجة اليها للدخول إلى الجماهير، وباعتقادي ان زمن المثقف النخبوي قد زال الآن والمرحلة التي نعيش  فيها أكبر وأخطر من أن يكون المثقف نخبوياً، لا بد أن ينزل المثقف إلى الشارع وإلى الناس لا بمعنى أن يتنازل عن أفكاره وطروحاته وعن المستوى الراقي للمعرفة، لكن بمعنى أن يعرف كيف يستخدم الوسيلة الموصلة، زمننا هو عصر الوسائل،  فالمثقف يجب أن يتقن استخدام هذه الوسائل ..يتقن كيف يصل للناس إذا كانوا  هم عاجزون عن الوصول إليه فعليه هو أن يصل إليهم، و هذا نوع من الإبداع الراقي جداً كيف تصل إلى الآخرين هذه مسالة دقيقة وحساسة جداً لكن الذي يتقنها فعلاً هو الذي يصل للناس أما الذي لا يدخل في هذا الإطار أو لا يتقنه فيظل بعيداً عن الناس وسيظل الناس يرفضونه .

* وكيف ترى طبيعة العلاقة مع الغرب؟

** علاقة الانسان العربي عموماً مع الغرب هي علاقة ذات وجهين: علاقة كراهية من ناحية وعلاقة حب من ناحية اخرى، نحن نكره سياسات الغرب وتحيزه، لكننا نحب ثقافة الغرب وفكره، علاقتنا مع الغرب اذا علاقة مضطربة فهو عندما ابتعد عنا كمستعمر ظل معتدياً علينا سياسياً وفي الوقت ذاته هو مصدر علم ومصدر ثقافة، صورة الغرب عندنا مزدوجة تجمع بين الحب والكراهية في آن واحد، تحب ثقافته وحضارته وتكره سياسته وانحيازاته .

* هل ترى أن المثقف العربي استطاع أن يستوعب مفهوم الحداثة فعلاً وينتهي من إشكالياتها؟

** حداثة الوسائل  محسومة تماماً، لا يوجد عربي يتردد أمام الوسائل الحديثة فهو يستخدمها كلها،  لكن حداثة الأفكار  هي التي تشكل نوع من المعضلة، وأبرر فعلا تخوفات الناس لأن  عندها قضايا وإشكاليات ضخمة ..عندها مشكلة وطنية وعندها مشكلة اقتصادية وعندها مشكلة فلسطين و مشكلة مصير وحضارة ولهذا تراهم  يشعرون في بعض الأحيان ان الحداثة الغربية تسهم في الجناية عليهم  ، و لن تحل هذه المشكلة إلا بموجود حداثيين عرب يصنعون نمط من الحداثة التي تخدم نهضتنا ولا تستفز ثوابتنا الأساسية، عندنا ثوابت لا يمكن التخلي عنها على الإطلاق وإلا انسلخنا عن هويتنا الوجودية، هل نستطيع أن نقيم هذه المؤاخاة الحضارية الثقافية بين استنارة فكرية حداثية شجاعة وجريئة وقوية ومنتجة وبين التثبت من وجودنا الأساسي ثوابتنا التي نرتكز عليها، هل نستطيع أن نحرك ثوابتنا تحريكاً عصرياً بحيث  تكون ثوابت عصرية وليست ثوابت تنتمي إلى الماضي فقط، ما لم نحل هذه المشكلة سنظل في هذه الدوامة التي لا تفضي بنا إلى شيء .

 

  • : كيف تنظر الى ما يطرح حول مسالة التطبيع مع " إسرائيل.. حيث يرى البعض ان هذه المسألة وجدت اصلا لخلق شرخ بين المثقفين العرب أنفسهم من جهة وبينهم وبين جماهيرهم من جهة ثانية؟
  •  : بالطبع لابد ان يحدث هذا الشرخ على الصعيدين لان القضية المطروحة اصلا غير طبيعية وغير مكتملة الشروط ومصطلح التطبيع بحد ذاته غير صحيح فكريا قبل ان يكون مرفوضا سياسيا ووطنيا ونضاليا.

انت لاتستطيع ان تطبع مع انسان إذا كان هذا الانسان نفسه غير طبيعي، والمشكلة ان التطبيع المفروض علينا هو تطبيع مع كيان هو اصلا غير طبيعي ولايريد ان يكون طبيعيا، فـ "إسرائيل" تصر على ان تكون لاطبيعية.. ولو جربت ان تكون كذلك يمكن عندها ان يقابلها تطبيع عربي، ولكن طالما ان اسرائيل غير طبيعية في نشأتها وغير طبيعية في استمرارها   فالمعادلة اصلا غير صحيحة، لان إسرائيل" غير قادرة من داخل ذاتها ان تتأقلم مع المنطقة وان تكون جزءا منها، وطالما هي رافضة لهذا فكيف اطبع معها.

ان معضلة إسرائيل" ليست منا وليست فينا بل في داخله هو.. الصهاينة يشعرون حقيقة انهم لاينتمون الى هذه المنطقة.. لا الى لغتها.. ولا الى دياناتها.. ولا الى ثقافاتها ولا الى شروطها الاقتصادية او الجغرافية.. كل هذه الشروط ليست مقبولة اصلا عند الانسان الاسرائيلي، اذا كيف سيكون طبيعيا وكيف سأكون طبيعيا معه ؟! .

ولذلك فان سبب الشرخ بين المثقفين العرب الذين يقولون بالتطبيع او لا تطبيع انهم يتعاملون مع شيء هو اصلا لاشيء، وكأنك تطلب من شخص ان يكون سوبرمان في حين ان شروطه لاتؤهله ان يكون سوبرمان فهما فعل لن يصبح ماطلبت .. فالكيان الصهيوني يشعر انه كيان غير طبيعي ولسنا نحن الذين نقول عنه ذلك فهو يشعر بهذا تماما ولديه عقدة سيكولوجية اكثر مماهي عسكرية، ومن هنا فان اخطر موضوع بالنسبة له عودة اللاجئين الفلسطينين الى ديارهم لانه يدرك تماما ان في هذا نهايته .. ولو كان طبيعيا لما تأثر الى هذا الحد.. ومن هنا نراهم يجهضون أي مبادرة سلام عربية ولايستجيبون لها لانهم غير قادرين على ان يكونوا طبيعين رغم كل المساعدات الامريكية لهم والجبروت الامريكي وقوتهم الذاتية، ولكن كل هذه عوامل وهناك شيء اخطر بكثير وهذا هو الذي سيدفعهم للرحيل عن ارضنا في النهاية.

انا أؤمن تماما ان فلسطين في النهاية لنا.. ولكن متى تعود فعلا فهذا غير مهم نسبيا فالزمن له لغته الخاصة، وهذا لايعني ان لانناضل الان ونتركها للزمن وللتاريخ.

ان مسؤوليتنا امام الله سبحانه وتعالى ان نناضل من اجل استرجاع الاراضي المغتصبة وسنحاسب امام الله ناضلنا ام لا.. ولن يحاسبنا الله على ذهاب فلسطين فهذا الامر ليس بيدنا ولكنه سيحاسبنا ناضلنا ام لا.. كذلك لن يحاسبنا ان حررنا فلسطين ام لم نحررها فايضا هذه المسألة ليست بيدنا وحدنا، فالرسول (ص) بقي في مكة ولم يحاسبه الله انه لم يهتد على يديه سوى قلة قليلة من الرجال لكنه ظل يدعو.. ويدعو.. ويدعو لانه مسؤول عن الدعوة ولان الله سبحانه وتعالى سيحاسبه دعوت ام لم تدعو.. ونحن هنا مسؤولون امام الله ان نناضل ونبقى نناضل ولكن ان نعيد فلسطين او لا نعيدها فهذا شأن اخر. والمهم ان تقوم بما هو واجب عليك.

المصدر: 
ملحق " أشرعة" الثقافي لجريدة "الوطن " العمانية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.