توظيف التكنولوجيا الرقمية في التعليم في وقت الأزمة .. فيروس كورونا أنموذجا - الجزء الأول

الثلاثاء, March 24, 2020

يخطئ الكثير عندما يعتقدون بأن مجريات الأمور تبقى على حالها، فالتغير هو صفة مستمرة في حياتنا، ومحرك لدفعنا نحو الأفضل، ومقدار ما نستفيد من هذا التغير سنتقدم نحو الأفضل، هذا الأفضل الذي يسعى إليه الجميع ويطمحون للوصول إليه، ولكنهم يبحثون عنه بأقل تكلفة، ودون بذل جهد نحوه، ودون أي مخاطرة لا يحسب لنتائجها، فالإنسان في طبيعته يميل نحو الأمان لا الخوف والقلق.

لقد مر على الإنسان العديد من التغيرات التي أثرت في مجريات حياته، بدءاً بالثورة الصناعية التي جعلت الآلات تخدم الإنسان وتقوم بالكثير من أدواره الرئيسية، ونتجت عنها صناعة القطارات والسيارات والسفن وغيرها من الآلات الصناعية، مروراً بالثورة المعلوماتية الرقمية التي هدفت إلى تحويل العالم إلى قرية صغيرة، ونتجت عنها العديد من التقنيات الرقمية، مثل: الحاسوب ومكوناته، وشبكة المعلومات العالمية (الإنترنت)، والاتصالات ونُظم المعلومات الرقمية، وغيرها من التقنيات الأخرى، وصولاً لعهد الذكاء الصناعي والنظم الخبيرة، والتي نتج عنها العديد من التقنيات، مثل: الروبوت، والأنظمة الذكية، ونظم التعلم العميق Deep Learning ، وإنترنت الأشياء Internet of Things  وغيرها من الأنظمة المعاصرة.

وفي حقيقية الأمر، فإن تلك التغيرات حصلت نتيجة نهضة علمية وثورة تقنية ارتبطتا مع بعضهما البعض، ونتيجة لتتابع الاكتشافات، وتطور طرق تحويلها لإنجازات يمكن استخدامها في واقعنا المعاصر، فهنالك فرق شاسع بين الخيال والواقع، وبين الذي نتأمل به وما هو موجود حالياً، ولا يمكن اعتبار أي اكتشاف علمي على أنه إنجاز إلا في حالتين أساسيتين، هما:

  1. إمكانية تحويل الاكتشاف العلمي إلى واقع ملموس وعملي، لا أن يبقى محصوراً في طي صفحات الكتب.
  2. أن يكون هذا الاكتشاف العلمي متداولاً بين الناس، لا أن يبقى محصوراً بين فئة قليلة من مستخدميه، أو في مراكز الأبحاث فقط.

وبالتأمل في مراحل النهضة الثلاث السابقة، نستنتج أن القاسم المشترك بينها هو “التكنولوجيا”، فالتكنولوجيا مصطلح يشير إلى تطبيق العلم وإلى لغة التخطيط والتصميم والإنتاج، فالتكنولوجيا باختصار هي المحرك الأساسي لتطبيق ما ينتجه العلماء والمختصين من معارف نظرية ومعادلات رياضية وقوانين فيزيائية، إلى تطبيقات وتقنيات واقعية ملموسه، تخدم الإنسان، وتساعده على تحقيق إحدى غاياته الأسمى، وهي: عمارة الأرض، وتسهيل حياته ودفعها نحو الأفضل.

وتتنوع أنواع التكنولوجيا، فهنالك: التكنولوجيا الصناعية والحيوية والزراعية والرقمية وغيرها، إلا أننا في هذا المقال سنركز على الجانب الأكثر انتشاراً بين الناس، والأكثر ملامسة لحياتنا اليوم، والأكثر استخداماً وهي التكنولوجيا الرقمية، والتي يتفرع عنها العديد من التقنيات، مثل: الوسائط المتعددة، البرمجيات والتطبيقات، الاتصالات والشبكات، والإلكترونيات وغيرها من التخصصات الأخرى.

وتُعد ” التكنولوجيا الرقمية ” إحدى أهم أشكال التطور التقني الحديث، وباباً واسعاً للعديد من التطبيقات المعاصرة، ويقصد بها: الأجهزة والتقنيات التي تعتمد على لغة الحاسوب (لغة الآلة) للقيام بعملها، ويقصد بكلمة الرقمية استخدامها للرقمين (0، 1) فقط في ترميزها، وقد نتج عنها العديد من التطبيقات القائمة على الجانب البرمجي، مثل: برامج الحاسوب وتطبيقاته (Desktop Application)، وتطبيقات الإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وغيرها من التطبيقات الأخرى.

لقد احتوت التكنولوجيا الرقمية الحديثة وما يتفرع عنها من تخصصات جديدة على العديد من المعارف والمصطلحات والمهارات التي شكل تكاملها أبجديات للغة عالمية علمية جديدة مرتبطة بالعديد من التطبيقات الحياتية، فأهمية التكنولوجيا الرقمية تكمن في قيمتها الحياتية الحقيقية لا في ترميزها وتجريدها، ونتيجة لطبيعتها الواقعية ساهمت بإثراء العديد من التخصصات التقليدية، مثل: الرياضيات والعلوم والهندسة وغيرها من التخصصات، مما وفّر بيئة علمية متكاملة، قائمة على تعدد التخصصات، هذا من جانب، ومن جانب آخر الاهتمام بالبيئة المحيطة (الواقعية) لينعكس أثر استخدامها على حياتنا ومجتمعاتنا.

ونتيجة للتقدم الحاصل في التكنولوجيا الرقمية الحديثة، تأثرت بها مناهج التعليم بشكل عام، فالطالب يميل بطبعه نحو الجديد والمتجدد وغير المألوف، فالتقنية تمتاز بكونها جذابه وممتعة ومسلية ومشوقة، وتستجيب لمقتضيات حياتنا وتلبي حاجاتنا المعاصرة، وهي نتاج جهد مختصين، صمموها بقوالب تناسب مختلف الأعمار والاتجاهات والميول، ومن هنا لا يمكن تصور بقاء التعليم بعيداً عن تلك العوامل التي أصبحت تتحكم في كل تصرفاتنا، ورؤيتنا للأمور وقراراتنا التي نتخذها.

لقد ساهمت التكنولوجيا الرقمية الحديثة بإحداث ثورة معلوماتية واقعية حقيقية، أثرت علينا بشكل مباشر وغير مباشر، فقد أثرت على علاقتنا الحياتية وطرق تواصلنا وحتى طريقة تفكيرنا، ونتيجة لذلك أصبح التخبط سيد الموقف، فالمختصون بالتقنيات والحاسوب يدفعون باتجاه توظيفها بصورة شاملة، بينما يذهب المختصون بعلم النفس والاجتماع وبعض التربويين إلى التحذير من خطورة استخدامها أو الإفراط باستخدامها. وبغض النظر عن قدرة التكنولوجيا الرقمية وإمكانياتها، وحقيقة أداء دورها، فإننا مطالبون باتخاذ الإجراء الأفضل في ضوء دراسة الظروف والمتغيرات المحيطة بنا، ومراعاتها قبل اتخاذ القرار المناسب حول الطريقة والأسلوب الأمثل في استخدامها، خاصة في الظروف الطارئة، وفيما يأتي سنتناول الاتجاهات الرئيسية لاستخدام التكنولوجيا الرقمية في التعليم:

الاتجاهات الأساسية لاستخدام التكنولوجيا الرقمية في التعليم

الاتجاه الأول: التعليم بواسطة التكنولوجيا الرقمية

وهنا تلعب التكنولوجيا الرقمية دور المساعد في عملية التعليم، ويمكن استخدامها في هذا الاتجاه كأداة أو وسيلة أو استراتيجية يوظفها المعلم أثناء التعليم، ويستخدمها الطالب أثناء تعلمه وممارسته الفعلية لأنشطته، ونتج عنها العديد من التطبيقات، مثل: المحاكاة الحاسوبية، والألعاب الرقمية، والبرامج التعليمية التفاعلية، وغيرها من التطبيقات الأخرى.

الاتجاه الثاني: التعليم المُدار بالتكنولوجيا الرقمية

وهنا تلعب التكنولوجيا دور (المدير والمشرف) على عملية التعليم، وتختلف عن الاتجاه الأول في قدرتها على تشكيل بيئة تعليمية متكاملة تجمع كلاَّ من: المعلم والطالب والمنهج، ويمكن من خلالها إلقاء المحاضرات، وتلقي الأسئلة، والإشراف على الطلبة المشاركين، وتسليم الواجبات وتقديم الامتحانات وغيرها من الأمور التي تجري داخل الصفوف الدراسية الحقيقية، ونتج عنها عدد كبير من التطبيقات عرفت باسم الصفوف الافتراضية.

الاتجاه الثالث: التعليم عن التكنولوجيا الرقمية 

وهنا تظهر التكنولوجيا الرقمية كمصدر للمعلومة وأساس التعلم، فالمعلم لا يستخدمها كأداة (الاتجاه الأول) أو كبيئة تعليمية افتراضية (الاتجاه الثاني) بل يتم تعلم التلاميذ من خلالها المعارف والمعلومات والمهارات المرتبطة بالتكنولوجيا، ويظهر هذا الاتجاه في  كتب تكنولوجيا المعلومات وعلوم الحاسوب، وتتناول محتوياتها موضوعات مختصة، مثل: البرمجة، والخوارزميات، والوسائط المتعددة، وقواعد البيانات، والتصميم الحاسوبي، وغيرها من الموضوعات الأخرى.

وبالرغم من احتواء التكنولوجيا الرقمية على مجموعة كبيرة من الإيجابيات وبعض السلبيات، إلا أننا لا نستطيع إنكار الدور الكبير الذي يمكن أن تقدمه لنا في الظروف العادية، وكذلك في الفترات الخاصة (الحرجة) التي نمر بها في بعض الأحيان، مثل: أزمة كورونا ، وهي موضوع اهتمامنا في هذا المقال.

التعليم و أزمة كورونا  

يشير مفهوم الأزمة إلى ظرف غير طبيعي يؤثر على الأفراد، إما على المستوى الشخصي أو العائلي أو المجتمعي أو العالمي، بصورة خطر أو تهديد حقيقي يؤثر على سير الحياة اليومية للإنسان، وبلغة أخرى فالأزمة من وجهة نظر النظام هي مجموعة من المدخلات التي تؤثر سلباً على عمليات التعليم ومخرجاته.

ولكن في كثير من الأحيان لا تعد الأزمات مؤثرة بشكل مباشر في التعليم، فأزمة العقارات والاقتصاد مثلاً التي حصلت قبل حوالي عشر سنوات كان تأثيرها بعيداً عن التعليم، وأزمة أسعار النفط العالمية (صعوداً وهبوطاً) لم تؤثر كذلك على التعليم، إلا أننا في هذه الظرف نعيش أزمة مختلفة عن سابقاتها، وهي انتشار مرض  كورونا، الذي بدأ بالصين وأخذ ينتشر في معظم بلدان العالم، فأحدث صدمة عالمية مباشرة أثرت على عملية التعليم بصورة أساسية ولدى معظم البلدان التي ظهر بها.

ويكمن سبب تأثير مرض كورونا على عملية التعليم في طريقة انتقاله، والتي تكون في أغلب الحالات عن طريق التواصل المباشر مع المريض أو ملامسة الأسطح الملوثة، مما ألزم صانعي القرار على منع التجمعات واللقاءات والمناسبات الاجتماعية المحصورة في مكان محدد، وتعد المؤسسات التعليمية إحدى أكبر التجمعات في عالمنا المعاصر، مما حدا بالدول إلى اتخاذ قرارات صعبة والمتمثلة بإغلاق المؤسسات التعليمية، مثل: رياض أطفال، والمدارس (العامة والخاصة)، والجامعات والكليات، ومراكز التعليم، ودور الرعاية وغيرها.

وهنا يتبلور سؤال مهم، هو: كيف يمكننا مواصلة رحلة التعليم في وقت أزمة كورونا؟

إن الحديث في وقت الأزمات ( خاصة أزمة كورونا ) يختلف عنه في الأوقات العادية، لأن الأزمة تفرض على صانعي القرار اتخاذ خطوات صعبة في وقت محدد، وفي ظل ظروف معقدة، لا تعطينا المزيد من الوقت، فهذا المقال لا يعالج حالة مفتوحة الزمن أو ظرفا طبيعيا، بل نحن في قلب الأزمة، في حالة إغلاق مؤسساتنا التعليمية، وفي حالة البحث عن حلول تُمكننا من الخروج منها بأقل الخسائر، أو بتجنب الأسوأ في أقل تقدير.

المصدر: 
موقع تعليم جديد
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.