بعضهم لم يهاجر إلى إسرائيل... دراسة تكشف مصير مليون يهودي عربي .. ( الجزء الأول )

الأربعاء, December 5, 2018
كاتب المقالة: 

لم يهاجر كل اليهود من أصول عربية إلى إسرائيل بل أعطى الآلاف منهم ظهورهم للدولة العبرية الوليدة، لأسباب مختلفة، وانتقلوا للعيش في دول أخرى بعيدة حيث استقروا وأسسوا جاليات لا تزال موجودة بأعداد كبيرة حتى اللحظة.

وتكشف دراسة أعدها "بيت الشتات"، ويُسمى أيضاً "متحف الشعب اليهودي"، وهي مؤسسة مقرّها جامعة تل أبيب، لصالح صحيفة "يديعوت أحرونوت" لأول مرة بالأرقام أعداد اليهود من أصول عربية الذين هاجروا من بلدانهم إلى إسرائيل منذ عام 1948، وتعرض كيفية انخفاض أعداد اليهود في الدول العربية وإيران تدريجياً منذ تأسيس إسرائيل حتى عام 2017، كما تعرض بعض الأرقام عن اليهود الذين هاجروا من دول عربية إلى دول أخرى غير إسرائيل.

 

تتساءل "يديعوت أحرونوت" على هامش نشر موقعها الإلكتروني للدراسة في 30 نوفمبر 2018: "كيف وصل يهود من المغرب إلى مونريال الباردة والبعيدة؟ لماذا يوجد كنيس لمهاجري سوريا في المكسيك؟ وكيف انتقل آلاف اليهود العراقيين إلى لندن تحديداً؟".

وتضيف "نحو مليون يهودي غادروا البلدان العربية منذ عام 1948، خلال تأسيس إسرائيل، وصل معظمهم إلى إسرائيل ولعبوا دوراً مهماً في بناء الدولة، لكن آلافاً آخرين انتقلوا إلى دول أخرى حيث أقام بعضهم جاليات من اليهود السفارديم (الشرقيين)، بما في ذلك في أماكن غير معتادة".

وتلفت الصحيفة إلى أن الهجرة اليهودية من الدول العربية بدأت في السنوات التي سبقت تأسيس إسرائيل، وكانت تتزايد كلما كان الصراع يين الدول العربية وإسرائيل يتصاعد.

وبحسب الصحيفة، "كانت هناك دول سارت فيها تلك العملية بسرعة، وغادرتها غالبية يهودها خلال سنوات معدودة، لكن في حالات أخرى كانت العملية طويلة وخرج خلالها اليهود عبر موجات مختلفة. وخلاصة القول إنه من أصل نحو مليون يهودي عاشوا في البلدان العربية تبقّى فقط بضعة آلاف في يومنا هذا".

ويقول المؤرخ الإسرائيلي حاييم غيوزلي، مدير شعبة قواعد البيانات في "بيت الشتات" والخبير في الأنساب اليهودية: "بعكس المغاربة الذين غادروا بهدوء نسبي، لم تُتح تلك الإمكانية لأقرانهم في العديد من الدول. في الكثير من الأحيان لم يكن ممكناً اختيار الوجهة، وهذا ينطبق على يهود اليمن والعراق الذين هاجروا إلى إسرائيل في إطار عمليات نظمتها الأخيرة وأحياناً بالتعاون مع منظمات صهيونية محلية تزايد تأثيرها على اليهود هناك بعد تأسيس إسرائيل. ومَن لم يلتحقوا بالهجرة الجماعية المنظمة ظلوا في بلادهم، مثلما حدث مع مجموعة صغيرة من يهود اليمن الذين ظلوا فيه إلى ما قبل بضعة سنوات".

ويضيف غيوزلي أنه بالنسبة إلى غالبية اليهود الذين غادروا الدول العربية، كانت إسرائيل الوجهة المفضّلة والطبيعية"، لكنه يستدرك: "في كثير من الأحيان، مَن كان لديهم أقارب استقرّوا في بلدان أخرى وكانوا أثرياء كفاية لمساعدة أقاربهم، اختاروا الالتحاق بهم وعدم الهجرة إلى إسرائيل. أيضاً، العلائلات التي كان أبناؤها على قدر من التعليم والثقافة، كإتقانهم لغات مثل الفرنسية أو الإنكليزية، ومهناً مكنتهم من الاندماج بسهولة نسبية في البلدان الغربية، فضّلوا الهجرة إلى تلك الدول، على الأقل في المرحلة الأولى".

"في حالات أخرى، انتقل على سبيل المثال الـ6000 يهودي الذين عاشوا في ليبيا عام 1967، في هجرة منظّمة إلى إيطاليا، في ظل وجود خطر على حياتهم بعد حرب الأيام الستة، ثم هاجر معظمهم إلى إسرائيل بعد ذلك".

وبحسب المؤرخ الإسرائيلي، "تأسست جاليات ليهود من أصول عربية في مناطق مختلفة حول العالم قبل وقت طويل من تأسيس إسرائيل. فأبناء الجالية المغربية، خاصة من مدن تطوان وطنجة، استوطنوا في شمال شرق البرازيل وفي إقليم الأمازون قبل نهاية القرن الـ19، وكثيرون من أبناء يهود مدينة حلب السورية أقاموا في مناطق مختلفة في أمريكا اللاتينية، مثل المكسيك، والأرجنتين وبنما وغيرها".

ويضيف غيوزلي: "كانت هناك أيضاً جاليات من مهاجري العراق في الهند والشرق الأقصى، أو في بريطانيا، كما وصل إلى تلك البلدان يهود يمنيون من عدن. تلك الجاليات وغيرها استوعبت لاحقاً يهوداً هاجروا من دول عربية بعد عام 1948".

اللغة العربية-اليهودية

وفي ما يتعلق بعادات اليهود المهاجرين من دول عربية إلى دول غير إسرائيل، تقول الدراسة: "يجب التفريق بين عادات دينية وعادات أخرى وبين استخدام اللغة التي تحدثوا بها في أوطانهم الأصلية. غالباً، كان هناك حفاظ على العادات الدينية في كل مكان قدر الإمكان: هناك كنيس يتصرفون فيه وفقاً للتقاليد القديمة، وعلاوة على ذلك هناك مراعاة للتقاليد الأخرى، وهو ما يظهر بشكل عام في الطريقة التي يحيُون بها الأحداث الهامة من حياة المجتمع والأسرة أو الفرد، تلك التقاليد التي تُعَدّ عنصراً أساسياً في الحفاظ على الهوية الخاصة، لا سيما لدى الجيلين الثاني والثالث وربما الرابع للهجرة".

وتضيف أن اليهود في تلك البلدان تحدثوا لغة عربية بلهجة يهودية، موضحة: "كان للعربية اليهودية لهجات عدة، مثل لهجة يهود بغداد التي كانت تختلف عن عربية اليهود التونسيين أو اليمنيين".

وتتابع: "في البلدان التي كان فيها حكم استعماري وعملت فيها مدارس الإليانس (منظمة يهودية دولية تأسست في باريس عام 1860)، تبنى كثيرون اللغة الفرنسية. في الجيل الأول للمهاجرين، حافظ البالغون بشكل عام على لغتهم، على الأقل في الإطار المنزلي. أما في إسرائيل، فقد أدى الضغط لتعلم اللغة العبرية والشكوك حيال مَن يتحدث العربية التي اعتُبرت لغة العدو إلى عدم تحدث معظم أبناء الجيل الثاني بلغة الوالدين، باستثناء القليل من الكلمات والتعبيرات".

وبحسب الدراسة، فإن "الظاهرة موجودة أيضاً في دول أخرى: في دول أمريكا اللاتينية يتحدث اليهود الإسبانية، وفي الولايات المتحدة الإنكليزية إلخ. في السنوات الأخيرة، تجدد الاهتمام بلغة الأسلاف، وهناك مجموعات عادت إلى استخدام اللغة التي كان يتحدث بها آباؤهم قبل مغادرتهم بلدانهم الأصلية".

يهود مصر

"في بعض الدول العربية، كاليمن، هاجر السواد الأعظم من أبناء الجالية اليهودية إلى إسرائيل"، تقول الدراسة قبل أن تضيف: "لكن مَن يتجوّل حول العالم يمكنه أن يقابل يهوداً من أصول مصرية في أماكن مختلفة: الولايات المتحدة، فرنسا، الأرجنتين، وحتى البرازيل. فكيف وصل أكثر من 15 ألف يهودي مصري إلى أمريكا الجنوبية؟".

ترجع لفانا زامير، وهي من أصول مصرية ورئيسة منظمة مهاجري الدول العربية، سبب هذا التشتت إلى موجات الهجرة المختلفة التي عرفها يهود مصر والعلاقات التي أقاموها مع دول مختلفة على مرّ العصور.

عاش اليهود في مصر، وفق الدراسة، "منذ خراب هيكل سليمان الأول (586 قبل الميلاد على يد نبوخذ نصر الثاني)، ووصلوا إليها آنذاك مع إرميا النبي. كان الحديث يدور عن منفى عريق وراسخ على مدى ما يزيد عن ألفي عام، لكن كل شيء انتهى فعلياً قبل 70 عاماً".

تقول زامير: "عام 1948 حدثت في مصر صدمة. أدرك اليهود أن عليهم التفكير في المستقبل، وبدأ بعضهم بالهجرة إلى إسرائيل. آخرون انتقلوا إلى مخيمات اللاجئين التي أقيمت في مرسيليا بفرنسا، وظلوا هناك لعدة شهور، وبقي بعضهم هناك، ومن هنا كانت الجالية اليهودية المصرية موجودة في فرنسا. الآخرون الذين ظلوا في مصر شعروا بالضيق من تعامل السلطة معهم واستمروا بالهجرة إلى إسرائيل".

وتضيف: "عام 1949، اتخذ 25 ألف يهودي طريقهم من مصر إلى إسرائيل. وعام 1956، بدأت الموجة الثانية من عملية طرد وهروب ضخمة... طُرد الكثيرون من الأجانب، بمَن فيهم اليهود، الذين وجدوا ملجأ في إنكلترا وفرنسا".

وتضيف أنه "انطلاقاً من حقيقة أن غالبية يهود مصر كانوا مثقفين ويتحدثون لغات، فقد نجحوا في الاندماج في البلدان الغربية. وقرر نحو 10 آلاف منهم البقاء في فرنسا، وظل بضعة آلاف في إنكلترا، وجرّب بعض متقني الفرنسية حظهم في كندا، خاصة في مونريال، وهناك أيضاً مَن سافروا إلى إيطاليا".

كيف وصل اليهود المصريون إلى البرازيل؟

"علينا أن نفهم أننا كنا في تلك الفترة في وضع لاجئين"، تقول زامير وتضيف: "كان هذا بعد الحرب (العالمية الثانية)، وكانت هناك دول أرادت أن تكفّر قليلاً عن شعورها بالذنب (بسبب الهولوكوست) ووافقت على استيعاب بعض اليهود. دول أخرى كالبرازيل، أرادت أن تنمّي الجالية اليهودية المحلية ووافقت على قبول بضعة آلاف. التعليم ومعرفة اللغات لعبا لصالح اللاجئين الذين نجحوا في ترسيخ أنفسهم وإقامة جاليات في تلك الدول. أحدثت الموجات المختلفة من طرد وهجرة تشتتاً هائلاً للأسر حول العالم. أنا مثلاً، لم ألتقِ بابنة عمي طوال سنوات".

المصدر: 
رصيف 22
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.