دار الفكر

آفاق معرفة متجددة

«سبات شتوي» لسمر الشيشكلي: نصوص في مواجهة المرايا

الأربعاء, November 7, 2018
كاتب المقالة: 

يمثل الواقع المرجعية لأي عمل إبداعي على اختلاف مظاهره الأجناسية، ولعل القصة القصيرة بوصفها غير مستهلك الإمكانيات، ما زالت قادرة على أن تقدم التمثيلات الأنسب لعالمنا المتسارع، كما شديد التعقيد، وغير المتجانس على صعيد البنية العميقة، على الرغم من تماثله الظاهري على صعيد السلوك، إذ بات كل فرد فينا لا يختلف عن الآخر في تعلقه بصيغ الوجود والممارسة لعوالم ما بعد الحداثة، غير أننا عندما نخلو إلى أنفسنا سندرك أننا في الحقيقة على غير حقيقتنا، وإنما نمارس زيفاً جمعياً هستيرياً، فندرك مقدار الفجوة بين عمقناً وظاهرنا، الذي نضطر للتهادن معه كي نستمر في الحياة، وكي نستشعر أننا طبيعيون في عالم يكاد يكون مجنوناً.
في مجموعة صدرت حديثا للكاتبة سمر الشيشكلي حملت عنوان «سبات شتوي» نقرأ محاولة تشكيل صيغة قصصية، تبدو لي قائمة في مساحة جدلية من حيث الموضوعات التي تتطرق لها، كما التشكيل الفني القصصي، فكما نعلم بأن الكتابة القصصية تحمل الكثير من الصيغ، ولاسيما من حيث سبل المعالجة، والقيم العاطفية والشعورية، حيث نقرأ في هذه المجموعة التي صدرت عن دار لوسيل في الدوحة 2018 تمثيلات تتصل بواقعين: الأول الجرح السوري، في حين أن الثاني يقترب من صفة ذاتية اجتماعية، ولكن بين كليهما ثمة رابط مشترك ـ إلى حد ما – ويتحدد بالرؤية التي تتميز بها القصص على حد سواء، وهنا أستحضر مقولة الكاتب الأمريكي فرنسيس سكوت فيتزجيرالد، بأن العثور على العاطفة الحقيقية أو الأساسية، قد يكون كل ما يحتاجه الكاتب للعثور على قصته، وهذا ما يمكن أن نستشعره من خلال قصص سمر الشيشكلي، التي سعت إلى تمكين صيغ عاطفية ذات طبيعة تأملية في نصها، بحيث تمتزج الموضوعات التي تبدو لي قائمة في عالم قصصي يكاد يكون قابلا للصيغة الموضوعية وإلى حد ما العضوية.

المرآة… تأمل الذات

إن قيمة «السبات الشتوي» أنها تحمل دلالات ذلك الانتظار والإرجاء، ولكنه يبقى سباتا سوف ينتهي يوما ما، وهذا ما يجعل القصص معلقة، حيث نقرأ صيغا من البتر، كما المفارقات التي شكلت حيلة سردية، فضلاً عن أجواء الغموض التي تحيل إلى شيء من قيم التشكيك في العالم، أو التعلق بما لا ندرك، كما في قصتها الافتتاحية التي حملت عنوان «الجسر الأبيض»، على الرغم من الغموض التي يكتنف القصة والقلق في بنائها من حيث صيغة الرؤية والتحول من منظور الراوي، حيث ينشغل صافي أنيس بلوحة لفنان اسمه «نادر زاهي» في حين يختفي «صافي» في المعرض، وربما يكون هو عينه الرسام الذي رسم اللوحة التي يذهب إليها صافي لرؤيتها يومياً، وعلى ما يبدو أن سمر في قصصها قد سعت إلى هذه الأجواء بغية تحقيق شيء من المفارقة، أو لشد انتباه القارئ، وقتل حالة اليقينية التي نراها في بعض القصص، وهنا علينا أن ندرك أن العديد من قصص هذه المجموعة تنهض على فلسفة التأمل في الأشياء، سواء أكانت رؤية في لوحة، أو في مرآة، وكأن ثمة دعوة لرؤية ذواتنا في هذه المرآة كي نرى انعكاس وجودنا وعوالمنا القلقة، والشديدة التوتر، أو التي تبدو لنا في بعض الأحيان متداخلة يكتنفها الغموض أو اللايقنية، وهي في معظم الأحيان تبدو أسيرة الشخصية التي تتمحور حول ذاتها والتي تبدو ذاهلة. ولعل هذا النمط من الكتابة يستند إلى مرجعيته الشعورية إلى كتابات الصدمة، نتيجة الحوادث والحروب التي تخلف الكثير من الذكريات السيئة، أو أنها تعزلنا عن واقعنا وماضينا، فالشخصيات تبدو قريبة الصلة بنواتج الحرب، والمخيمات والارتحال، أو الفقد. ففي إحدى القصص نرى كيف تلعب سمر الشيشكلي على صيغ إدراك الذات في (المرآة) من خلال شخصيتها الرئيسة، حيث جاء في القصة: «في المرآة كان شاهر خلفها يطرف بها بنظره، وجهه شاحب، وينعكس شحوبه مضاعفا في المرآة، تجعلك المرايا ترى فيها عدم التمثال الطفيف في الملامح، وقد تراها الملامح ـ مقلوبة ومضخمة. كيف لم تنتبه لهذا التباين في وجه شاهر من قبل؟».
النص السابق يتصل بقصة الرسام في المعرض «الجسر الأبيض»، أو كما في قصص أخرى؛ ما يعني أن المرآة باتت صيغة أو ثيمة تتملك الشعور القصصي القائم على محاولة اكتناه الأشياء، وقراءة انعكاساتها، واختبارها بين الحقيقة والوهم؛ ما يعيدنا إلى أجواء بورخيس في عشقه للمرايا. ولهذا نستعين بهذا النص لتأكيد هذه النزعة: «أما هي فتنظر إلى المرآة التي أمامها، إنها تشبهها تماماً، كأنها توأمها! ترى أنها لم تكن نوبة قلبية. لقد اخترقت رصاصة رئتيها وهي في سيارتها تنتظر ابنها». وفي قصة أخرى تستند إلى التأمل في الذات، أو المرآة والضرر المعنوي، كما جاء في هذه القصة: «لم أكن قد نظرت في المرآة ولا مرة منذ أن قدمت إلى هنا، منذ خمسة أشهر تقريباً، الآن أنظر إلى بطني! أحس وأن شيئا يخبط في أحشائي. يتسلل فزع مثل موجة تغمرني من رأسي إلى قدمي».

صيغ الألم والتذكر

ثمة جوانب من الأضرار، والتحول كما الألم التي تتخلل الكثير من شخصيات المجموعة القصصية، التي تبدو متعالقة مع أشخاص تعرضوا للغياب، ما فعّل تلك الصيغ التي تنتج عن نواتج الصدمات، فيتعلق العقل بين وهم الغياب ورفضه، ما يعني أن المجموعة في تركيبها تستند إلى الكثير من الدعائم القائمة على تفعيل الحس النفسي، وهذا يجعل من الوهم في بعض الأحيان ثيمات منتشرة في أكثر من قصة من قصص المجموعة. إن فعل الحرب، واللجوء، والخروج، وتبدل الصيغ، والمكان، والمدينة جعل من فعل التذكر حاجة أو وسيلة لإدراك معنى الأشياء، ولهذا تحفل الكثير من القصص بهذا الاسترجاع للزمن الذي انقضى، أو ذلك الذي كان قبل أن يتهدم العالم المألوف المعتاد «كيف عادت الذكرى التي ظننت أني دفنتها قسراً في غياهب الجب العميق الذي يدعى الذاكرة. تذكرتك! أنت أيضا كنت دائما هناك».
في غير قصة نقرأ أجواء الحرب والاغتصاب، وتلك الثنائيات القائمة على مفردتي الضحية والجلاد، وهي مفارقات كأن تحمل المرأة من مغتصبها، مما يفعّل ذلك الصراع الداخلي، وتصاعد المعاني الوجودية، والأسئلة القائمة على القدر، ومحاولة فهم الأمور، أو محاولة تفسيرها، وهذا ما دفع إلى أن تنحو الكاتبة في بناء شخصياتها منحى الاستبطان الداخلي والشعوري، ولكن الأهم أنها جعلتها مستقطبة إلى عوالم الذات، وحيثيات الحدث المركزي، وهنا نرى أن الحرب السورية أوجدت صيغاً خطابية جديدة، شأنها في ذلك شأن كافة الأحداث المتصلة بالألم، كما في فلسطين والعراق ولبنان، وغير ذلك من البؤر التي تشتغل بوصفها محفزات للكتابة التي تقف بشكل – لا شك فيه- على تخوم الذات، حيث نقرأ في إحدى القصص عن الحمل من المغتصب، ما ينقلنا إلى قدرة الكاتبة على تجسيد الأحاسيس وتخليقها في صيغ لغوية، تبدو لي لا تفارق عامة أجواء القصة القائمة على الدخول في الذات، أو المرايا، أو الانكفاء على الذات، أو الذهاب إلى سبات شتوي لئلا تتذكر الشخصية (الإنسان) ما شهدته على سبيل المثال: «يخيل إليّ أن جلادي قادم من عالم مذعور يحمل معه رغبته في الانتقام من ذعره وقهره المخبوء في نفسه، ضحكته المجلجلة الشامتة التي يرسلها كل مرة بعد أن ينتهي مني، ولم يكن يكتفي إلا ببلوغي أنا ضحيته أبشع درجات الهم، وبلوغه وهو جلادي أخس مراحل النشوة المجرمة». وإذا ما مضينا في تتبع حضور مشهدية المرآة وصيغ الألم، فسنجد أنها تكاد تحضر في أكثر من قصة، ولاسيما في صفحة (68)، وصفحة (92)، وغيرها، بما في ذلك الرؤية التي تتحقق في الحلم، والأخير أي الحلم، يعد أحد الصيغ المفضلة لكتابات الصدمة النفسية.
يلاحظ أن مستوى المفردات التي تنتشر في أجواء القصص تنتمي إلى معجم الصدمات، وتلك الانكسارات النفسية التي تنتشر في متون الأحداث الكبرى، فنرى الضحية، والجلاد، الخوف، والفزع، والجريمة، وهي مفردات تكاد تذهب إلى أن تشكل موضوعات القصص، فثمة قصة عن جريمة، وثمة قصة عن اختفاء شخص، وقصة عن اغتصاب، وقصة عن فقد، كما بيوت تفتقد الحب، أو كراهية بين زوجين، أو الخيانة… وهذا يعني أن الكاتبة وجدت في قصصها الرغبة بنقل هذه العوالم إلى القارئ، على أن تتخذ من صيغة القصص إطاراً عاماً تقدم لنا أكثر من إيقاع لبشاعة الإنسان، وفظاعة الحياة كما في هذه القصة التي تصور لنا علاقة بين زوجين، تتخللها الكراهية لتنتهي بجريمة قتل: «نهض وسار أمامها بفتور… التقت عيناه بعينيها.. أشاح بسرعة عنهما… خلف هاتين العينين الصغيرتين الغارقتين في خدين منتفخين، كان يملح كائنا قادرا على كل شيء. إنها مرآة يقف أمامها فيرى قبحه عارياً، هو بالذات، تعكس المرأة قبحه عاريا حتى العظم».

كان يفضل أن تتخفف القاصة من عدد من القصص – على الرغم من تميزها- ولا سيما في الربع الأخير لكونها جاءت غير منسجمة مع المزاج العام للأجزاء الأولى.

الصيغة… والأداة

ومن القصص التي تكاد تخضع لأجواء ذلك التأمل في صيغة رمزية قصة «امرأة المطر» التي تنهض على مقولة أن نهر العاصي وحش أو ثعبان يبتلع كل شيء… ومع سقوط المطر تظهر امرأة المطر، ولكن ينبغي عدم النظر إلى عينيها، وإلا سيكون الهلاك، غير أنها امرأة ليست شريرة، إنما امرأة صاغها الألم، وما الحديث حول رغبة الابن في السفر، فالتوجه إلى البحر إلا استعارة للرحيل أو الهجرة أو محاولة الاكتشاف، والبحر يأخذ الأطفال والأبناء. ولعل هذه القصة ربما تبنى على صيغة من الوعي أو اللاعي بالأسطورة اليونانية فبوسيدون (إله البحر) يعاشر «ميدوزا» في معبد أثينا، ما يغضب أثينا التي تحول ميدوزا الجميلة إلى امرأة بشعة، في حين تحول شعرها إلى ثعابين، وكل من ينظر إليها يتحول إلى حجر، وبهذا، فإن سمر الشيشكلي تدرك أدواتها، ورؤيتها في سبيل تحديد موجهات التلقي للقارئ الذي ينبغي أن يكون على إدراك بمقاصد القصص، وألا يمارس قراءة استرخائية.
وفي الختام، فإن واقع الحرب، والجنود الذين يحملون الأسلحة، أو الهجرة، والاختفاء، وهذا الجنون يكاد يهيمن على جزء كبير من القصص، غير أن هذا النسق يتراجع في ما بعد، إذ يتحول الإيقاع لتقترب القصص إلى مجالات أكثر عمومية، حيث تلتقط صيغاً اجتماعية بعيدة بعض الشيء عن أجواء التجربة السورية، وغير ذلك، حيث تقترب أكثر من فضاء إنساني يتصل بحضور الأنثى والأم، أو كالقصة التي تتناول التوحد، أو في قصة المختار «أبو حسين» ما يربك إلى حد ما الوحدة الفنية للنص، فضلاً عن وجود بعض التضخم في عدد القصص، كما بعض التفاصيل، والحشو الذي كان من الممكن التخلص منه كونه قد بدا في غير مجاله، حيث كان يفضل أن تتخفف القاصة من عدد من القصص – على الرغم من تميزها- ولا سيما في الربع الأخير لكونها جاءت غير منسجمة مع المزاج العام للأجزاء الأولى.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 19 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.